عندما يتحوّل الدّين الى أيديولوجيا

يدّعي البعض في بعض شعب الماسونية كما إدّعى الكثير من قبل، بأنّه إذا كان ما أوحى به الله هو الكامل المتكامل لماذا استعمال غير الكتاب الديني والإرتكان على قوانين وضعية، هذا ما فعله الإنجليز والأمركيين. لذلك يجب دمج الدين والفكر ومنه في العلوم، ويجب إدخاله على الدولة والمجتمع، ويجب أن تستوحي القوانين والثقافة والعرف منه، بما أنّ الدّين سماوي ومن الله فهو الحلّ لجميع مشاكلنا ويحوي كلّ شيئ …

هذا ما وقعت به المجتمعات الغربية ولأكثر من ألفي سنة. ولم تخرج منه إلاّ عندما نبذت الدّين كليّاً وارتكنت على قوانينها الوضعية. هذه ردّة فعل على ما عانته هذه المجتمعات، إلّا أنّ ردّات الفعل هذه تُخرج القول والعقل من الطريق الوسط. لأن خير الأمور والحكمة في الوسطية، التطرّف أيّا كان مرزولا. فما حصل من إدخال الدّين في كلّ مفصل من فواصل الدولة والمجتمع خطأ، لأنّ هذا ليس مبغى وغاية الدين. يقول العرفانيون كما قال المسيح أعطي لقيصر ما لقيصر ولله ما لله. أين مكانة الدّين في العلوم والطبّ والهندسة الخ… هذا لا يعني إذا تواجدت منقولات حكيمة في دين من الأديان أنّه يجب رفضها لمجرّد أنّها دينيّة! البنّاء الحقيقي إن كان يبني صرحاً أو مجتمعاً  يستنير ويستوحي من كلّ ما يحيط به إذا كان إيجابياً أيّاً كان مصدره. لا يحكم على الشجرة بالنظر الى جزعها بل الى ثمارها، وعندها يُكرّم المرء أو يُهان.

هذا هو معنى أدلجة الدّين أو تحويل الدّين الى أيديولوجيا، وبداية لا بدّ من توضيح مبسّط لمفهوم الأيديولوجية، فهذه الكلمة من اليونانية ἰδέα (فكرة)، وبالتالي فإنّ الأيديولوجية هي في الأصل خطاب مبني حول الأفكار، ومنذ ماركس استعملت هذه الكلمة -ايديولوجيا- في الفكرة أو العقيدة الغير المطابقة للواقع، ومعنى إنسان مؤدلج أو مبرمج أنّه يعيش في عالم الأوهام، وهذا يقوده الى الإنفصال عن الواقع وذاته الحقيقية وبالتالي تحصل ظاهرة الإغتراب عن ذاته ويعيش بشخصية موهومة ومجازية.

ويتبيّن ممّا تقدّم أنّ الأيديولوجيا أو البرمجة الإنسانية تتّسم بأربع سمات أو تقترن بأربع حالات:

1) إنها شمولية تستوعب جميع حياة الشخص المبرمج.

2) إنها تقترن بالجزمية والدوغماتية بحيث لا يرى صاحبها أيّة حقيقة مخالفة لأفكاره.

3) إنها تقترن بتثوير العواطف على حساب العقل، ولذا تصيب الشباب أكثر من الكبار.

4) وتقترن غالباً بالعنف في سبيل فرضها على الآخرين.

وطالما ظهرت أفكار ونظريات على مسرح التاريخ استطاعت السيطرة على الدولة والمجتمع من خلال تحويلها الى أيديولوجيا كالنازية والماركسية اللينينية والقومية وآخرها الإسلامية المتمثّلة بداعش وحواشيها.

أمّا الدّين بوصفه دعوة للإيمان بالله والتحلّي بالقيم والفضائل الأخلاقية فلا يمكن أن يجتمع مع الأيديولوجيا بهذه السِمات المذكورة، ولكنّ التاريخ القديم والحديث يحدّثنا عن فواصل كثيرة تحول فيها الدين الى ايديولوجيا، وهي حاجة ملحة عند البعض لتقوية التماسك الإجتماعي وتثوير الحماس للدفاع والحرب ضدّ الأخطار التي تهدّد هذا النظام الجديد، أي إستغلال الدّين في السياسة. وهذا المعنى من أدلجة الدّين وإن كان معقولاً ومطلوباً في البداية من القائد أو المؤسس لأي حركة دينية وإصلاحية في المجتمع إلّا أنّه لا ينبغي الغفلة عن أمرين مهمّين:

1) إنّ اتّصاف الدّين بصفات الأيديولوجيا ليس من جوهر الدّين بل من الأعراض والقشور.

2) إنّ عملية الأدلجة هذه لا ينبغي أن تستمر وتستغرق زمناً طويلاً بل هي خاصة في عصر التأسيس فقط، وبعد ذلك يأتي عصر الثّبات والإستقرار وتتحوّل هذه الأدلجة الى خطر يهدّد النظام والمجتمع الى أن يقضي عليه كما حصل في الغرب عندما تحوّل الدّين الى مؤسسة سياسية. وكما إنهار الإتّحاد السوفياتي بعد أن استنفدت الأيديولوجية الماركسية قوّتها، هكذا سقطت الأنظمة الدينية السياسية على مرّ التاريخ.

الخطر الذي يهدّد الدّين من الأدلجة هذه هو إبتعاد الدّين عن ممارسة دوره الحقيقي في تهذيب النفوس وتقوية الإيمان في إتباعه وبالتالي سيكون لدينا إنسان متزمّت ومجتمع متعصّب وثقافة مؤدلجة، فالدّين في هذه الحالات سيكون شمولياً وتكفيرياً ويهدف الى تولّي السلطة وتطبيق الشريعة بعيداً عن مقتضيات العصر وحاجات الإنسان المعاصرة، ويتمّ فيه إستغلال المقدّسات من رموز دينيّة، بشكل واسع ضدّ الخصوم السياسيين وعلى حساب العقل والقيم الإنسانية..

والمجتمع المؤدلج سيعيش بروح العِداء والتعصّب وفرض رؤية واحدة على الناس ممّا يكرّس الإستبداد والتفرّد في الحكم بعيداً عن روح التسامح والتعدديّة، وسوف يفسح المجال لظهور ستالين وهتلر وأمثالهم من الحكّام المستبدّين الذين قاموا على أكتاف أيديولوجيات شمولية متطرّفة..

والإنسان المبرمج هذا سيعيش الإغتراب عن ذاته الحقيقية وحاجاته الروحية والمعنوية، وسوف لا يجد حاجة لتغيير وضعه وتحسين حاله لأنّه يرى نفسه كاملاً وصالحاً وعلى الآخرين أن يغيّروا حالهم ويصلحوا أنفسهم، أي أنّ إعجابه وحبّه الشديد لعقيدته ودينه المؤدلج يمنعه من إجراء أيّ تعديل عليه بل يوصد الباب أمام العقل ليتحرّك بحريّة للعثور على نِقاط الضعف والخلل في عقيدته ودينه..

أمّا الثقافة المؤدلجة فهي الثقافة التي تفرض على المجتمع من الأعلى وتمنع حركة النقد للسلطة السياسية والدينية لأن النقد بزعمهم يضعف وحدة المجتمع وتلاحمه مع السلطة ممّا يمهّد الطريق لثقافة أُنصر أخاكَ ظالماً أو مظلوماً (بغير محلّها الديني والحقيقي الشرعي) وثقافة الحزب الواحد والقائد الأوحد وينعكس ذلك حتى على العلاقات الإجتماعية وروابط أفراد الأسرة الواحدة لأن الأيديولوجيا لا تتحمّل من يخالفها الرأي وبالتالي ستسود ثقافة الإرهاب والطائفية والكراهية في المجتمع كالتي سادت لعصور في كثير من البلدان ولا يزال البعض يرزح تحتها بنِسب مختلفة…

لنعطي الدين حقّه وننزّهه عن دهاليز السياسة…