الجانسينيسم Jansénisme

الجنسينية هي حركة دينية وسياسية، نشأت بين القرنين السابع والثامن عشر، بصفة خاصة في فرنسا ، كردّ فعل لبعض التغييرات في الكنيسة الكاثوليكية والإستبداد الملكي. في باطنها هي إمتداد للحركة الغنوصية التي ظهرت بظهور المسيحية ثم تغيرّ ظاهر معتقدها وأخذت مسمّيات عدّة بإنتقالها من ملجأ الى آخر.  سُمّيوا بالبولسيين عند نزوحهم الى تركيا ثم بالبوغوميل في بلغاريا ومنها الى كرواتيا وفي حدود سنة 1000 ميلادية إنقسموا الى فريقين أحدهم اتّجه شمالاً باتجاه المانيا الحالية وآخر نحو جنوب فرنسا. الفريق الذي وصل شمالاً كان فكره أساس في الثورة التصحيحية البروتستنتية، أما من ذهب جنوباً نحو فرنسا عُرفوا بالكاتاروقد ذُبحوا الى آخر واحد منهم بعد حملة صليبية، حملة كاثار الصليبية (1209-1229).

الحرية الشخصية.

بعد أن حسم كلّ فريق موقفه حول طبيعة المسيح إنتقل الجدل حول حريّة المرء في إختياراته. هل هو حرّ في اختياراته؟ وإن كان كذلك هل هو من يختار بنفسه الخير والشرّ؟ إختيار الشرّ لم يشكّل جدلية كبرى، برمي اللائمة على الشخص الذي يقوم به وأنّه من عمله. أمّا من جهة الخير فإن كان الإنسان قادراً على إختياره بنفسه والقيام به، فما حاجة الرسل والإكليروس لتوجيه الناس في سبيله. المعضلة الثانية كانت في الفهم الديني لما سمّي عقائد. هل الإنسان قادر أن يفهمها بإستعمال عقله؟ كان الردّ مباشر من أغسطينوس” عليك أن تؤمن لكي تفهم” مرتكزاً على ما ورد في اشعيا 7/9 ” إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلاَ تَأْمَنُوا ” . الإيمان قبل الفهم وإن جادلت فمن الشيطان. وكلّ سؤال يخرج عن هذا المفهوم هو بدعة. كان يجب أن يعطّل العقل كلياً وهذا ما حصل لأكثر من خمسة عشر قرناً إن لم يكن أكثر. والأسئلة التي تُطرح في أيامنا من علماء الفلك عن تكوين الأرض والكون، يُضاف عليها، هل وجد الكون قبل فترة وجود الإنسان، ماذا كان يصنع الخالق قبل خلق البشرية؟ كان الجواب صريح من أغسطينوس: كان يحضر جهنّم لمن يسأل هكذا أسئلة. وللأسف بقيت الحالة هذه الى فترة التنوير. في هذه الفترات تواجد أُناس حاولوا التفكير وإعمال العقل فاضطهدوا والتاريخ معروف في هذا المضمار. الأفكار المتحرّرة والعقلية إنتقلت تحت الأوشحة إن كان في اطار جمعيات دينية على غِرار الغنوصيين ومن تبعهم أم داخل تجمّعات مدنية في محافل الحرفيين والعمال.

إتهم الماسون بأنّهم جمعية جانسينية تحاول إنشاء كنيسة وهدم القائمة، وما تزال هذه التهمة تشهر في وجههم.

أصل الخلاف.

ماذا قال كورنيليوس جانسينيوس: “إنّ أيّ شخص يستطيع أن يمارس الخير دون نعمة الله ، لكن خلاصه أو إدانته تعتمد فقط على الله”.

وجهة نظر الأغسطينيين كانت:” النعمة هدية إلهية، والتي تنزل على الفرد بشكل مستقل عن أي مشاركة لحرية الإنسان”.

هذا الخلاف وقع في بداية المسيحية ولم يزل قائم الى أيامنا هذه.

إنّ تبنّي إستعمال العقل ونظريات الغنوصيين بفصل الدين عن الدولة، أدخل في بعض الفرق نزعة سياسية لمقاومة الظلم السائد، فما كان من ملوك فرنسا إن كان الثالث والرابع والخامس عشر على لسان “ريشوليو” أو “مازاران” وغيرهم إلاّ بلعن الجانسينسيم لأنّهم أوكار تبغى هدم الملكية والنظام الثلاثي القائم والمقسم للبشرية ما بين ملكية وفي فلكها الإقطاع وإكليروس والبقية الباقية العامة الفريق الثالث.

هذه الدراسة لبنة في هذا المدمار، يطلب من البحث أن يتوسّع في هذا الموضوع.

ماذا قال كل فريق؟

  • في حوالي سنة 390 قال بيلاج (Pélage):” النعمة تكمن في الفطرة الطبيعية للإنسان وبخاصة الإرادة الحرّة والعقل والضمير”. وأضاف:” يمكن لكلّ مسيحي بلوغ القداسة بقوّته الخاصة وبإرادته الحرّة”.
  • في القرن التاسع، جان سكوت اريجان(Jean Scot Erigène)، صرّح معتقداً بأنّ كلّ شيء يقدم من الله ويعود اليه والخير والشرّ خاصتين بالوجود كالزمان والمكان. وأنّ العقل لا يتعارض والإيمان. الخيّر والمسيء يلقى قدره في الزمان إنّما الإثنين يعودان الى وجدان الله. الله لا يحكم بالتأبيد لإساءة كما أنه لن يحرق أحداً لزلّة بل يُدخل الى قلبه الندم. إعتماداً على أفكار جان سكوت هذا ظهرت تجمّعات سمّت نفسها “مفكرين أحرار” اضطهدوا ولوحقوا من السلطات القائمة دينية ومدنية.
  • في القرن الثالث عشر ظهر توما الاكويني أحد أهم الفلاسفة الكنسييِّن ولم يزل المعتمد الى يومنا هذا. للردّ على أن الإنسان قادر على تمييز الخير من دون الكنيسة ردّ قائلاً: “إذا كان الإنسان يملك ملكة الفكر الحرّ وقادر على أن يختار ما بين الخير والشرّ، تكون عندها جميع العِظات، والتوصيات، والحظر والتحريم والمكافآت والثواب والعقاب التي تقوم بها الكنيسة، عديمة الفائدة”. لأنّه كان يعتقد جازماً بأن الإنسان جاهلاً ولا يعرف كيف يتّخذ القرارات الصحيحة من دون الكنيسة.

(Thomas d’Aquin, Somme théologique, I, qu. 83, article 1, respondeo)

  • جون ويكليف ( 1331-1384 John Wyclif)، ويكليف هذا هو من أوائل من وضع أسس الثورة التنويرية، قال رداً على توما الاكويني:” إن ارادة الله تتجلّى مباشرة على الأرض وليس بحاجة الى وسيط، واذا صحّ أنّ الكنيسة هي الممثلة لله ولا يعمل الله إلاّ من خلالها، فكيف عمل الله مع خلائقه قبل أن تتواجد الكنيسة، هل كان عمله عقيما!”. انتقد Wyclif بشكل جذري فكرة السلطة القائمة الروحية والتي تمدّ جذورها الى المجتمع المدني بائتلاف سياسي.
  • مارتن لوثر (1546-1483)، المعروف بثورته ضدّ التسلّط الكنسي والذي طالب بالعودة الى النصوص الأولى.
  • اراسم (Erasme 1467-1536)، نشر كتيّب مؤيداً “الفكر الحرّ” للإنسان ومقدرته على الإختيار ما بين الخير والشرّ وتنظيم حياته من دون وصاية.
  • أمام هذه التناقضات عمد وليم تيندال (William Tyndale 1494-1536) الى ترجمة الكتاب الديني الى لغة العامة لكي تكون الفصل ما بين كل ما يقال ويقوّل. قامت مباشرة السلطات الكنسية بالقبض عليه وخنقه حتى الموت عقاب على عملته هذه.
  • أمام كلّ هذه التناقضات والإشكالات، وعند عدم مقدرتها على الرد على كل ما كتب ويتداول أصدرت الكنيسة في مجمع الثلاثين (concile de Trente 1545-1563) و بعد ثمانية عشر سنة من النقاشات رداً إعتبرته الفصل لإنهاء هذه المسألة بالقول:” عند الخلق، الإرادة الحرّة لم تُطفَأ عند الإنسان بل خفِتت وأُميلت الى الشرّ”، يكون هكذا الإنسان مسؤولاً عن شروره وليس عن عمل الخير.

“le libre arbitre n’avait pas été éteint, mais seulement diminué et incliné au mal”

  • بايوس (1552 Baïus)، كان أسقف وأستاذ في جامعة لوفان، قال:”خلق الله آدم حراً، ولو كان الله هو من يضع الخير في النفوس، يكون قد حكم على آدم ظلماً بحرمه هذا الخير. أمّا إذا اعتبرنا أن آدم بقادر على أن يميّز ما بين الخير والشرّ يكون عندها مسؤولاً عن عمله وحكم الله عادل”. وأضاف: “الطبيعة البشرية ليست رذيلة إنّما تميل الى الرذيلة، وإرادة السمو تدخل في طبيعة البشر بإختلاف النعمة”.
  • أصدر بيوس الخامس في سنة 1567 حرماً في كلّ من ينقل أقوال بايوس وأمثاله، وأعاد نشرها والتشديد عليها غريغوار الثالث عشر في سنة 1579.
  • في سنة 1611 أصدر البابا بولس الخامس أمراً بالإمتناع عن كلّ حديث أو مناقشة في هذا الموضوع، الذي كان قد شغل الدومينيكان واليسوعيين.
  • في سنة 1640 ظهرت نظريّات وأفكار الجانسينيسم على يدّ أسقف مدينة بلجيكية المدعو كورنيليوس يانسن (Cornelius Jansen).
  • في 6 آذار من سنة 1642 أصدر البابا أوربان الثامن حرم ضدّ الجنسينيسم سميّ بـ ” In eminenti “. معنى كلمة ” eminenti” تحذير. سطّر هنا أنّ ما صدر ضدّ الماسونية في 28 نيسان من سنة 1738 حمل اسم “In eminenti ” استعمل كليمان الثاني عشر نفس التسمية للإشتباه بأن الماسون يبغون بناء كنيسة على قواعد الجانسينيسم. وكما سنرى لم يكن ما صدر عن كليمان الثاني “حِرْمْ” بل “تحذير”.
  • في أيلول من سنة 1713 جدّد كليمان الحادي عشر الحرم ضدّ الجانسينيسم وأفكارهم المتحرّرة في الفرمان ” Unigenitus “.
  • أمام هذا المشهد كتب الفيلسوف المعروف باسكال (1623-1662) كتاباً تحت إسم مستعار، لويس دو مونتلت (Louis de Montalte)، ودافع عن الأفكار التنويرية للجانسينيسم. ممّا قاله:” لقد قمنا بصراعات لنحوّل عالم الانسان الى أفضل”،” القوة الوحيدة التي يمتلكها الإنسان تكمن في داخله”.

موقف الكنيسة اليوم

في 31 تشرين الأول من سنة 1999 في المانيا توافق الكاردينال ادوارد كاسيدي ممثلاً الكنيسة الكاثوليكية و كريستيان كروس ممثّلاً الكنيسة اللوثرية على التصريح التالي:” نعترف بأنّ الشخص البشري من جهّة الخلاص يعتمد كلياً على نعمة الله”،

« Nous confessons ensemble que la personne humaine est, pour son salut, entièrement dépendante de la grâce salvatrice de Dieu».

  • لم يعد فعل الخير خارج عن إرادة الإنسان بل النعمة هي عطاء من الله. بعد جِدال دام أكثر من 2000 سنة، رجع القول بأنّ الإنسان قادر على عمل الخير بنفسه إنّما الخلاص من الله! هذا ما قاله الغنوصيون ومن تبعهم الى الجانسنيسم وغيرهم من المتنّورين، الإنسان يمتلك حريّة التفكير والإرادة، والتي كلّفتهم اضطهاد وقتل وسَحِلْ لأكثر من 2000 سنة.
  • في 10 حزيران من سنة 2009 تكلّم البابا بنوا السادس عشر في التعليم المسيحي عن جان سكوت اريجان المذكور آنفاً معيداً له إعتباره في الفصل ما بين الفكر الحرّ والخلاص.
  • في 1 كانون الأول من سنة 2009 في عيد القديسين قال بنوا السادس عشر “كنّا قد استقبلنا واشترينا من الله، ووجودنا يُكتَب في أُفُقِ الخلاص…”

“Nous avons été accueillis et rachetés par Dieu ; notre existence s’inscrit dans l’horizon de la grâce…

 

تغيّر الحديث كلياً من أنّ الإنسان كان بحسب ما عُلِّم ليس له فكر ولا إرادة حرّة في الخير والشرّ،الى حصر هذه بالخلاص ثم إعلانها بأنّها ليست إلّا في الأفق.

 

سبحانه الذي لا يتغيّر… التغيّر في الإنسان والزمن.