أندرسون ونوح

عُرِف الماسون في القديم بإسم “نواشيد”. وبهذا إبتدأ أندرسون دستوره قائلاً: “إنّ الماسون عُرِفوا بالقديم بمسمّى النواشيد”. كما رأينا في مقدّمات أندرسون السابقة لم تسعَى الماسونية الى إقتباس المسارات الدينية ولا تطبيقها، معتبرة أنّ هذا من إختصاص الديانات. خالف هذا بعض المحافل وأُدخلت المعايير الدينية في صلب الطقوس الماسونية وإعتبروا كما ذكر سالفاً بأنّ الله هو أحكم الحاكمين فلماذا الإعتماد على قوانين مدنية، وعلى الماسون أن يطبّقوا المبادئ الدينية في محافلهم. أكثر من نحى في هذا الإتجاه الأمريكان والبريطانيّن.

هذا يُبعد الماسونية عن هدفها الإنساني الذي لا يتعارض والحكم الدينية السامية. إلّا أنّ هدف المحافل لم يكن يوماً إستبدال ديانة أو كنيسة بأخرى أو القيام بإنشاء مذهب ديني جديد.

مقارنة ما يجري في المحافل مع ما يحصل في أماكن العبادة في غير محلّه. هل يقارن نادي رياضي أو كشفي بمحافل دينية؟ وهل يسأل من هو الأهمّ، العمل الكشفي أم التديّن؟ وإذا كان التديّن أسمى، فما حاجة الحركة الكشفية؟ هذه أسئلة ساذجة إجتماعياً وتحوّل الإهتمام عن الهدف السامي.

يتواجد على وجه المعمورة ديانات متعدّدة. وكلٌ يعتبر نفسه الديانة الحقيقية والصحيحة. ليس من واجب الماسون الفصل بين هذه المسارات وليس عليهم أن يأخذوا موقف من هذه أو تلك الديانة. إعتمد الماسون منهج إنساني يعطي الحق للفرد بالقيام بالشعائر الدينية التي تتوافق مع مفاهيمه، وطلبت من أفرادها بالتعامل بالتساوي مع جميع الخلائق مهما كانت توجهاتها الدينية أو الفلسفية. تلاقت هنا وربّما سبقت الفلسفة الظاهرية، التي لا تنظر الى المسبّبات بل تنظر الى الحالة الوجودية. هذه النظرة تتلاقى والمقاربة العرفانية، التي لا تأخذ بالكلام الظاهري المُدّعِي أخلاق ومناقب، بل تنظر الى ما ينضح به الإناء. إن كان ما ينضح به الشخص طيباً فداخله طيب وإن كان نكداً وفساداً فلا يعبّر إلّا بما في داخله. للأسف كثير من المتديّنين يوصفون بالقشريّن (من القشرة البعيدة عن اللبّ)،فهؤلاء يتمسّكون بطقوس وعادات وتقاليد خارجية وينسَونَ اللبّ.

من هنا قال أندرسون في بنده الأوّل:” في الأزمنة القديمة كان يطلب من الماسوني إتّباع دين البلد أو الأمّة الذي يقطنها. إلّا أنّه يعتبر الآن أكثر ملاءمة  التقيّد بالدين الذي يتّفق عليه جميع البشر، وترك كل منهم وشأنه لآرائه الخاصة: أي أن يكونوا رجال خير ومخلصين، ورجال شرف وكرامة، أيّاً كانت الأديان أو المسمّيات التي تساعد على تمييزهم”. ما ركّز عليه أندرسون هو ملاقاة الإنسان الآخر بإنسانية نابعة من صلب وجداني إن كان دينياً، فلسفياً أو إنسانياً، المهمّ التلاقي والعيش بسلام، وهذا ما تتميّز به بعض المجتمعات الراقية، التي يتوّق الكثيرين الى الهجرة إليها، لأنّها تعامل الإنسان بإنسانية متناسية أصوله وعِرقه ولغته الخ… ما نفعُ أن يدّعي شخص بإبراز هويته أو صكّ بأنّه ينتمي الى هذه أو تلك الديانة، وهو يتصرّف بعدم أخلاقية، مقارنة مع من يقوم بواجباته تجاه ضميره بما يراه مناسباً في داخل بيته، ويتصرّف في الخارج بدماسة أخلاق وحسن سيرة الخ… من هنا قالت الماسونية علينا أن نكون:” رجال خير ومخلصين، ورجال شرف وكرامة، أيّاً كانت الأديان أو المسمّيات التي تساعد على تمييزنا”.

وقعت بعض المحافل في المحظور، محاولةً إعلاء إنتمائها الديني لإثبات حسن نيّتها وبراءتها من التّهم التعسّفية. ولتجدنّهم في كلِ فرصة أو مناسبة يشدّدون على إنتمائهم الديني ومشاركة أقرانهم بالطقوس الدينية السائدة في مجتمعهم، ويستعملوا الكتب الدينية المعروفة في محافلهم. هذا ضعف ماسوني وخلل في الشخصية الإنسانية التي تنحى هذا المنحى. لأن الحسن والقبيح بانا للناس كالنور في الظلمة. والمستنير ليس بحاجة لأنّ يثبّت على كلِّ قارعة طريق بأنّه نيّر وحسن.

فبإستعمال كلمة “نواشيد”، عمد البعض لإدخال الأوامر الأخلاقية التي أملاها نوح على أولاده وهي سبعة كما وردت بالتلمود، وهذه كانت من الأسباب التي جعلت البعض يصف الماسونية بالتلمودية وهي:

  1. الإبتعاد عن عبادة الأوثان.
  2. عدم القتل.
  3. الإمتناع عن السرقة.
  4. الإنحلال الجنسي.
  5. التجديف على المقدّسات.
  6. أكل لحم الحيوان الحيّ.
  7. فرض إقامة نظام عادل لتطبيق الشرائع الستّة السابقة.

هذه مبادئ دينية معروفة وطوّرت مع موسى. لسنا بصدد تقييمها وهذا ليس من واجبنا ولا مبغانا. إن كانت هذه المبادئ تساعد البعض على الإلتزام بالقوانين الإجتماعية فهذا حسن وخير لهم.

ما يهمّنا هو ماذا قصد اندرسون بنواشيد؟

في الحقيقة الحياة المحفلية هي تكريس لمفهوم كلمة نواشيد، بمفهومها الحقيقي الأندرسوني. نستطيع أن نترجم هذه الكلمة الى العربية بأبناء نوح.

كيف نفهم أن الماسون أبناء نوح؟

هل بالإلتزام بالمبادئ الدينية التي أملاها نوح على أولاده؟ وعندها تتحوّل الماسونية الى بدعة دينية، أم لها مفهوم آخر؟

إذا أخذنا بالرواية التي أمليت علينا في قصّة الطوفان مع نوح وما حولها. تواجد نوح وأبناءه بعد الطوفان لوحدهم خارج الفلك على الأرض. وكما لم يكن يفرّق بين أبناء نوح لا لغة ولا لون ولا عِرق ولا دين الخ… هكذا يعيش الماسون في محافلهم فيما بينهم أُناس متجرّدين من كلِّ تفرقة فرّقت الإنسان والإنسانية.

وهذا المفهوم هو الذي عبّر عنه أندرسون في دستوره:” أيّاً كانت الأديان أو المسمّيات التي تساعد على تمييزنا”. أضف الى هذه اللّغة والعِرق واللّون الخ…

ولعجائب الصدف ما حاربت به بعض المؤسسات الدينية الماسونية لسنين طويلة، تسعى هي نفسها في الحديث لإعلائه بوثائق توقّعها مع الديانات الأخرى تحت مسمّى «الأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ»، قيم قدّمتها الماسونية منذ القدم على أنّها الوحيدة الجامعة والقادرة على تمهيد الطرق أمام اإلتقاء البشرية.

هنا نفهم كلمة أبناء نوح بمفهومها الفلسفي الجامع. إعتمد الماسون كما رأينا سابقاً بعض الكتب ككتاب يوحنا، وكما رأينا لم يكن كتاب يوحنا المعروف بل كتاب يوحنا الغنوصي. كما استعمل الماسون رموز خارجية لدرء المفاسد ولم يعبّروا عنها خارجاً للحفاظ على التستر الإجتماعي الذي كانت تؤمّنه لهم. أصبحت هذه الرموز عبئ في بعض الأحيان وبخاصة في أيّامنا، فلذلك لزِم ويجب إيضاحها.

 

الإنسانية وحدها لا تفرّق بين إنسان وإنسان، وكلُ ما يفرّق خبيث مهما ادّعى من نُبل وحسن.