الماسونية والصهيونية

الباحث الحقيقي الذي فهم من خلال الدراسات السابقة ظروف نشأة الجمعيات السريّة وتجمّعات المفكّرين الأحرار والماسون خاصة، فهم بأنّ الغاية من هذه الجمعيات كان إيجاد فسحات حرية ليلتقي حولها الحرفيين والمفكّرين والفلاسفة والرجال الأحرار.  كانت هذه في البداية مجالات سمحت لهم بإستنشاق الحرية، ثمّ مع الوقت بدأت الأفكار تخرج من نطاق المحافل ولوّنت المجتمعات كافة.

مثال واضح على ذلك ما حصل في دير المدينة في الألفية الثانية قبل الميلاد، حيث كوّن العمّال والحرفيين جمعيات سريّة للهروب من السلطات الفرعونية. لم يقتصر دأبهم على إيجاد مساحات حرية لهم، بل أنتج حركة نقابية عمّالية بكلّ ما للكلمة من معنى. بطبيعة الحال إتّسمت إجتماعاتهم وتحرّكاتهم بالسريّة. هذا ما حصل مع العمّال والحرفيين في ما سمّي بالقرون الوسطى في الغرب.

أرجع الى الدراسات في الموقع التي تفصل هذه النقاط وغيرها.

في دراسة الطقوس تبيّن بأنّ هذه الجمعيات ولإدارة أعمالها كانت تتّبع طقوس لضبط عملها وحسن سيرها. الطقوس المستعملة وُرِثَت من السابقين الى اللاّحقين والذين وفي كلّ دورة أضافوا عليها صبغتهم. هذا يزيل عن الطقوس صفة القدسية ويضعها في مكانتها الوضعية التّامة. فكما تطوّر الإنسان مع الزمن تطوّرت هذه أيضاً لتناسب إحتياجات ومتطلّبات العمل.

عندما نتكلّم عن سريّة، هذا يفرض إستعمال نظام لحفظ هذه السريّة. الطقوس توكّل أحد الأخوة للتأكّد من صفة كل شخص يحضر والتأكّد من صفته الماسونية وبخاصة عند وجود زائرين. كان العمّال والحرفيين يقبضون أتعابهم أسبوعياً، وكان كلٌ منهم يعمل في مربّع محدّد. تفيد الرواية بأنّه عندما عُمِد الى بناء الهياكل والمعابد والأصرحة، إضطر المهندسين الى أعمال مئات من العملة. فلكي يضبطوا حسن توزيع الرواتب كان يتميّز كلُ عامل بمئزر مختلف عن الآخر، كما رأينا في دير المدينة وكما جاء في محاضر الحرفيين. وللإحتساب من إندساس أحدهم لقبض راتب حرفي أجدر منه، وزّع عليهم كلمات سرّ، للعامل كلمة سرّ وللشغّال كلمة سرّ وللأستاذ كلمة. وهذا ما ترويه قصّة حيرام بأنّ شغّالين قدِما إليه طالبين أن يُعلِمَهم بكلمة سرّ الأساتذة لكيّ يتسنّى لهم قبض راتب أعلى، وعندما تمنّع قتلوه. والقصة ذاتها وجدناها مع امنهوتيب وغيره.

من هنا كلمة السرّ كانت تُعطى لكلّ من إرتقى الى درجة أعلى، تؤمّن له هكذا الإعتراف من الآخرين كما قبض الراتب المناسب.

ما هي كلمات السرّ المستعملة؟ وكيف كانت سبب بإتّهام الماسون بالصهيونية.

عند دراسة الطقوس القديمة والحديثة منها، يتبيّن بأنّ كلمات السرّ تغيّرت مع الوقت. فلِلمحافظة على التقليد تُستعمل كلمة إستعملت في القديم لإثبات التسلسل. إنّما لشيوع هذه الكلمات وخروجها من نطاق السريّة يستعمل الماسون كلمات رديفة. ولا يقتصر الأمر على إستعمال كلمة رديفة بل تتغيّر هذه الكلمة في فترات لا تزيد على ستة أشهر.

من هنا نفهم أنّ الكلمة هي فقط للسّماح لأخّ بالعبور الى داخل المحافل، وليست قوّة سحرية بذاتها كما يتخيّل للجاهل، وبأنّ إقتناء الكلمة سيصنع منه ماسوني و بأنّه كشف السرّ الدفين. الباحث الذي وَعِيَ فلسفة البنّائين وتاريخهم يعرف مكانة ونطاق إستعمال كلمات السرّ. إذا أراد أحدهم العثور على الكلمات القديمة ليجدنّها منشورة على كثير من المواقع! هذه لن تمكّنه من إستيعاب الفكر الماسوني ولشيوعها كما ذكرنا يستعمل كلمات جديدة. في الحديث وفي المواقع التي تُكثر فيها عدد المحافل والتي تجتمع في مبنى واحد أصبح من الصعب ضبط الأمر وتوكيل أخّ للتحقّق من كلِ زائرٍ.

بإعتماد الأساليب الحديثة أصبحت كلمة السرّ للدخول الى حَرَمِ المحافل رقم مؤلّف من عدّة أحرف يدخله الأخّ على مفتاح الكتروني فيُفتَح الباب وعند دخوله الى المحفل يطلب منه كلمة الشهر التي تصل برسالة الى من كان مكمِّلاً واجباته المادية تُجاه أمانة الصندوق. كلّ هذا لنبيّن عدم قدسية كلمات السرّ أوّلاً وبأنّها لن تصنع من حاملها

ماسونياً ولا تفيد في فهم فلسفة المفكّرين الأحرار.

إستعمل الحرفيين كما بيّنا سابقاً كتب، ككتاب يوحنا الغنوصي، ولذك تسمّى كثير من المحافل نفسها بمحافل يوحنا. إستعملت كثير من المحافل إنجيل يوحنا الإنجيلي في الغرب وكان ذلك للتمويه ولدرء الإضطهاد وأصبح للأسف عند من فاتته حقيقة فلسفة البنّائين معتمد ومرجع.

بالإضافة الى إنجيل يوحنا إستعمل العمّال والحرفيين الكتاب الديني المعروف والذي كان الكتاب الوحيد المعتمد في ذلك الوقت. فإستخرجوا منه كلمات إستعملوها ككلمات سرّ لورودها في قصص إشارة الى مناقب خاصة لأصحابها تشبه المناقب والصّفات التي يعلونها. مثال على الفعلة من عمل في إقامة هيكل سليمان فأصبحت كلمات كـ لبنان، غابة الأرز، المهندس حيرام أو الملك حيرام، وغيرهم من كلمات السرّ. كلمات السرّ هذه هي المرتكز الأساسي لمن أراد إلصاق تهمة الصهينة بالماسونية متذرّعاً بأنّ لهذه الكلمات مرتكز توراتي وقد يزيد تلمودي، صهيوني…

تذرّع مضطهدي الماسونية والفكر الحرّ في الحديث بإتّهام الماسونية بأنّها صهيونية، جاء هذا في الغرب على لسان سلطات دينية ثم اقتبسه كلّ من أراد إضطهاد الماسون نقلاً عن هذه السلطات دون تحقيق ولا تمحيص. مستشهداً بإستعمال الماسون كلمات “توراتية”. ليس من العيب إستعمال كلمات توراتية أو غيرها كما أنّ الماسونية لا تضطهد لا اليهود ولا أيّ ديانة أخرى وهذا ليس من إختصاصها ولا شأنها.

لو رجع الباحث الى القسم الذي بيّن جذور الطقوس الماسونية لوجد أنّ الماسونية إعتمدت بالإضافة الى منابع فكرية فلسفية قديمة وحديثة، اقتبست في طقوسها من مصادر متعدّدة ومنها:

 

 

 

 

*سنعيد إدراج القسم الذي يختصر جذور الطقوس الماسونية الذي ورد في الموقع سابقاً:

مختصر لأصول الرموز الماسونية:

فنّ العمارة الأدوات (مطرقة، أزميل، زاوية، بركار، الكفوف، المئزر، الحجارة..)
من العبرانيين الشمعدان ذات الأفرع السبعة، كلمات (شيبولت، طوبلقين،..) التهليل (هوزي، هوشي..) ، كلمة كادوش، رمزية هيكل سليمان…
 

من المسيحية

الكتاب المقدّس، أعياد القديس يوحنا، لقب القاضي الكبير، المختار الكبير من المحاكم (Vehmique) التي كانت في ألمانيا ما بين القرن 11 و16. كلمة القطب من جمعيات الفروسية.
من الجمعيات السرية الدرجات السبعة، السماء بنجومها.
من الكلدانيين الألوان برمزيتها السبعة الزرقاء، البيضاء، الخضراء، الحمراء، السوداء، الذهبية و الكريستال.
من زردشت أوقات إفتتاح الأعمال وختمها.
من الخيميائيين الشمس والقمر، الفينكس، البجع البحري، حجر الفلاسفة…
من أسرار وقصة ميترا الإحتفال بالإنقلاب الصيفي والشتوي. المبتدئ الذي يمرّ بموت رمزي قبل القيام الذي يمثّل الحياة الجديدة.
من الكابال واليونان القديمة العمر الملحق بالدرجة
من اوزيريس العين المكحلة
بيتاغور وتاليس المثلث، المربع، المستطيل، الحلف للحفاظ على السرية. النجمة ذات الرؤوس الخمسة.
من أفلاطون الأخلاق الماسونية مستقاة من الأخلاق الأفلاطونية
من مدارس الالوميناتي الرمانة ، الاكاسيا، الوردة، النسر الأبيض والأسود….
من الأساطير زردشت، بوذا، بيتاغور، مارك اوريل….
من الكنعانيين حيرام ابي، غابة الارز، جبل لبنان، صيداوي.

 

يتبيّن للباحث بأنّ مصدر بعض كلمات السرّ التوراتية لا يشكّل إلّا قسم ضئيل جداً ومحدود من مصادر الطقوس الماسونية. هنا تسقط الصفة التوراتية التي يحاول البعض إلصاقها بالماسونية لغاية خبيثة وهي الجمع بينها وبين الصهيونية. التوراة إستعملت من أهل الكتاب، وهي ليست الأصل في  العلوم الماسونية ولو كان هناك شبهة بذلك فلا ضير لأنّها كتاب من كتب “أهل الكتاب” الذين نكنّ لهم كل إحترام.

لنعود الى الصهيونية.

اليهودية ديانة كتابية أمّا الصهيونية فهي حركة سياسية حديثة المنشأ، وكثر هم معارضيها من اليهود وأكثر اهل الكتاب.

هناك تعارض تاريخي للجمع ما بين الماسونية والصهيونية. الماسونية كما تبيّن من الأبحاث التاريخية تعود لآلاف السنين وذلك تحت مسمّيات وأشكال مختلفة. أمّا الحركة الصهيونية، معروف عنها تاريخياً بأنّها: حركة سياسية يهودية، ظهرت في وسط وشرق أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر ودَعَت اليهود للهجرة، وبعد عرض عدّة بلدان منها جنوب أميركا وأفريقيا، إستقروا على أرض فلسطين فأضافوا الى دعواهم بأنّها أرض الآباء والأجداد (إيريتس يسرائيل) وقد إرتبطت الحركة الصهيونية الحديثة بشخصية اليهودي النمساوي هرتزل الذي يعدّ الداعية الأول للفكر الصهيوني الحديث والذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية. فيما صاغ هذا المصطلح الفيلسوف ناتان بيرنباوم في عام 1890، لوصف حركة أحبّاء صهيون، وأقرّ التسمية المؤتمر الصهيوني الأول الذي عُقد في أغسطس 1897 برئاسة تيودور هرتزل الذي حدّد في خطاب الإفتتاح أنّ هدف المؤتمر هو وضع حجر الأساس لوطن قومي لليهود.

نشأت الصهيونية المعروفة في أواخر القرن التاسع عشر، فكيف تكون هي المؤسسة للماسونية التي يعود إعادة تجمّعها في الحديث الى 1717.

هذه من علامات جهل الذين يخوضون في الشرح والتفسير والإتّهام بغير علم! هل يعقل أنّ حركة أُسست في سنة 1897 تكون المؤسسة لجمعية خرجت الى العلن في سنة 1717، وكما أظهرنا وتبيّن من التاريخ، الماسونية تعود لآلاف السنين.

هل هناك مندسّين منتسبين للماسونية؟ الماسونية لا تقبل أفرادها بناء على إيمان أو أفكار دينية، بل مرتكزةً على قيم إنسانية وفردية. كما يحصل في كثير من التجمّعات البشرية، يندسّ فضوليون ووصوليون محاولين إستغلال الهيكلية القائمة، إن كان هذا في التجمّعات الدينية أو السياسية أو الإجتماعية أو الماسونية الخ… والباحث في تاريخ الماسونية لَيجد ثغرات تنظيمية ورجال غير أهل إنتسبوا إليها، إلّا أنّ الماسونية وما إن ينفضح أمر هؤلاء تلفظهم كما يلفظ البحر الجيفة.

تهمة الماسونية بالصهيونية تهمة فاسدة وكاذبة وغير مرتكنة لا على أسس تاريخية ولا علمية ولا فكرية فلسفية الخ… بل فقط على تُهم زائفة، هدفها تشويه صورة الماسونية، كما فعلوا مع كلّ من أظهر عدم رضوخ وخنوع أمام بعض السطات الدينية الفاسدة الحائرة، هذا ما حصل للغنوصيين والكتار وقبلهم بيتاغورس وسقراط وغيرهم، إتّهموا بابشع التُهم… تُهم نابعة من عدم إمكانية السيطرة على هذه التجمّعات وعلى أفكار رجالاتها..

الماسونية براء من الصهيونية ومن كلّ حركة عنصرية أيّاً كانت، وبخاصة إذا كان هذا يخالف المفاهيم الإنسانية القائمة على إحترام المرء وخصوصيته، أيّا كان منشأه ومعتقده ولغته ولونه وهذه المقاربة هي الضدّ الكلّي للصهيونية القائمة على العنصرية الدينية والتفرقة العرقية واللغوية الخ… هذا التعارض الفكري والفلسفي كافٍ لِدرء كلّ إتّهام للماسونية بالتبعية لجمعية عنصرية أيّاً كانت وبخاصة للصهيونية.

من أهمّ ركائن الماسونية هي أخوّة الإنسان لأخيه الإنسان.

دون أيّ تفرقة دينية أو عرقية أو لغوية الخ…

وهذا الضدّ الكلّي لكلّ عنصرية بشرية.

أيّاً كانت.