الماسونية ورجالات السياسة

لا علاقة للعمل الماسوني بالإعتراف الإجتماعي الخارجي أو بالمقامات الخارجية، إجتماعية كانت أم سياسية!

 

يتهيأ للبعض بأنّ الماسونية مكوُّن سياسي وسلطوي، من دخله تعرّف وقارب أعيان القوم من الحكام المدنيين والعسكريين. فلذلك يدأب المضلّلين بتقديم هذه الذرائع كأسلوب للترغيب في الدخول الى الماسونية. كما أنّك لَتجدنّ أغلب المسوّقين للماسونية وعلى مواقعهم، يدّعون إنتساب هذا وذاك من الرؤساء الأحياء منهم أو الأموات لإضفاء هالة من الفخامة والأبهة.

عند دخول بعض المحافل الماسونية الى بلدان البحر المتوسط، كان حملتها من رجالات وضباط الإستعمار، فكان المنتسب بطبيعة الحال يتعرّف على هذه الأقوام ويخالطهم. ساد منذ ذلك الزمن، بأنّ المنتسب الى الماسونية سيدخل الى مجالس ينتمي إليها أسياد القوم وساستها.

هذا المفهوم بعيد كلَّ البعد عن المنهج الماسوني الذي يحثّ الباحث على صقل حجره ليكون متناسباً مع وضعه الداخلي الفلسفي والفكري. فإنّ إختلاف الناس هو من صلب التناغم وأساس التجانس الكوني. لا تتناسب المُثل الماسونية والإفتخار بالمراكز العامة. فالماسونية أوّل ما تدعو اليه هو ترك المعادن المميّزة إجتماعياً خارجاً والإلتقاء حول القيم الإنسانية.

وللأسف هذا ما يحصل في بعض البلدان ومنها لبنان وبلدان افريقا وبعض البلدان الفقيرة. ممّن يعتقدون بأنّ الشرعية هي بإقتناء طقوس وأماكن للإجتماع وتزيينها بصور ورسائل وتقديم شخصيات مدنية وسياسية على أنّها منتسبة الى الماسونية وبأنّ إنتسابها هو إحدى ضمانات الشرعية والعلوية.  وقعت الماسونية في الغرب في أواخر القرن التاسع عشر في هذه المصيدة ودفعت الثمن غالياً.

هذا المفهوم المتجذِّر عند البعض الذين يذهبون الى الغرب ويأخذون الصور بجانب لوحات وأبنية وأخوة غربيين، والتفاخر برسائل روتينية يرسلها أصحاب السيادات لكلّ رسالة تصلهم. مثال على ذلك بعض المحافل التي ترسل معايدات الى أصحاب الشأن، ويتلقّون ردّ بروتوكولي، يعلونه وتصبح هذه حجّتهم بالشرعية الماسونية. لو أرسل أحد رسالة معايدة أو تهنئة لمسؤول سياسي عنده مكتب علاقات عامة، بإسم ” بطرك بطاركة البطريق في القطب الجنوبي”. سيصله ردّ شكر بمسمّاه البطريركي.

 

عدم فهم القيام بالذات ووهم إستجلاب وكالات.

هذا المنحى متأتّي من عدم فهم ديناميكية الحرية والقيام بالذات وإعتبار المرجعية هي بإستجلاب وكالات. كوكالات السيارات والألعاب. هذا ينمّ عن عدم فهم مبدأ القيام بالذات، الذي يعتبر أساس المبادئ الماسونية الشخصية والمحفلية.

كثير من الشعوب التي رزحت تحت كاهل الإستعمار، تكن في مكنوناتها عليَّة ورفعة للمستعمر. فترغب في إستجلاب وكالات تحت مسمّيات الصداقة والتعاون، هذه مستحبّة عندما تكون نديّة، مع العلم أنّ هذه لا تفيد إلّا في الزيارات، لا إفادة منها في العلوم ولا في العمل المحفلي الخ... هناك في لبنان من حاول إستجلاب وكالات منذ أكثر من مئة سنة… أين هي الماسونية في لبنان بعد كلّ هذه السنين؟ منذ أن انتقدها جبران خليل جبران ومخائيل نعيمة وأنطون سعاده وغيرهم…

المبغى الأهمّ في الإنتساب الى الماسونية هو الإرتقاء الذاتي وليس التشبّه بمستوردات ووكالات. إعتراف المحافل ببعضها هو للقيام بالزيارات فقط وليس للغناء الداخلي الذي لا تجده إلّا مع أساتذة تشاطرك عملك الماسوني يومياً.

بعد أن ظهرت براعم الماسونية في  لبنان منذ أكثر من مائة عام، قام إخوة في تركيا والتشيلي ببناء ماسونية وطنية قوية فرضت نفسها كمؤسسة نديّة، وهي الآن معترف بها عالمياً كمؤسسات قائمة ومستقلّة. وفي لبنان ما زال البعض يفتّش عن من يوكّله ليشهره كتشريع لبعض الحالات الشّاذة.

 

في رجالات السياسة.

يشهد فييني (Viennet) الذي كان القطب الأعظم للماسونية في فرنسا من 1860-1868 لشرعية الماسونية بذاتها، وبأنّ لا شأن لها بالشرعيات السياسية. دعا نابوليون الذي كان امبراطور فرنسا فييني وطلب منه الطاعة والإنضواء تحت حركة توحيدية أرادها نابوليون للسيطرة على الماسونية. مع العلم أن نابليون كان على سلطة و قادر في أدنى حدّ بسجن فييني، ردّ عليه هذا الأخير بقوله: سلطتك عليّ محدودة، قد تمنعني من العمل في محيط امبراطوريتك، أمّا أنا فسلطتي كقطب ماسوني هي كونيّة، على مِداد الكرة الأرضية وأبعد.

عيّن نابليون الجنرال مانيان “Magnan” أستاذ أعظم للشرق الأكبر الفرنسي الذي لم يكن ماسونياً وأعطي صورياً في 8 شباط من سنة 1862 الدرجات الماسونية كاملة الى 33 في يوم واحد. نظر اليه فييني على أساس أنّه حجر غير مصقول وقال الذي يصنع الحجر المصقول هو البناء، أيّاً كان شكل الحجر. عمل فييني على صقل مانيان وأصبح هذا من كبار أساتذة الشرق الأكبر الفرنسي. ألا وأنّه وبالرغم من عمله هذا رفض فيينه مزج وضمّ المؤسسات الماسونية لبعضها خشية على التنوّع وحرية الإختيار.

أثبتت الأبحاث التاريخية بأنّ الماسونية قديمة بقدم الإنسان مذ فكّر هذا بالحرية والتحرّر من القيود والموروثات البالية المقيّدة لتقدّم الإنسان. الماسونية عائلة لها تاريخها وعاداتها وموروثاتها، ما ينبذه الماسوني هي القيود الخفيّة في المجتمع التي تعيق التحرّر والتقدّم.

السياسة والإقطاع مبنيان على المصلحة الخاصة لكلّ منهما. لا يتعارض دخول سياسي أو إقطاعي الماسونية كما لا تعارض دخول أيّ شخص أيّاً كان مشربه، المطلوب أن يكون بوقت إنتسابه شريف وحرّ الفكر ومتمتّع بشخصية منفتحة على التقدّم. السؤال الذي يطرح نفسه، هل يستطيع السياسي أو الإقطاعي وفي بلداننا خاصة أن يتجرّد من إرتباطاته الخارجية والسلطوية وملاقاة الآخرين على أساس الأخوة النديّة؟

بمعنى أنّه يترك معادنه في الخارج وبالمقابل يتعامل معه الأخوة على هذه القاعدة، دون تفرقة وتمييز. مع العلم أنّ دراسة ملف طالب إنتساب يرتكز على صفاته ومناقبه الشخصية ولا مكانة لسلطته الخارجية سياسية كانت أم مادية. المطلب الأوّل هو الحرية والروحية التقدّمية الإنسانية.

في التجربة التاريخية.

تنوّرنا التجربة التاريخية بأنّ بيتاغورس و بعد أن فتح مدرسته وإشتهر طلابه وتابعيه بالحكمة والمكانة الإجتماعية، لِما كانوا يُعرَفوا به من خِصال عالية. قدم اليه إثنين من الوجهاء “كيلون ونينون  Kylon et Ninon ” الذين يبغون الإستفادة من هذه الشهرة والمكانة الرفيعة التي يتحلّى بها تلامذته وطلبوا من بيتاغورس بالسّماح لهم بأن يسمَّوا بيتاغورسيين ويعدّوا من تلاميذته. رفض بيتاغورس لأنّه لم يجد في طلبهم إلّا محاولة لكسب مرتبة زمنية. فما كان من كيلون إلّا أن خرج مهيِّجاً الشعب مدّعياً بأنّه عرف أسرار البتاغورسيين وعاداتهم الشاذة والخالية من الآداب والأخلاق لمضلّلة للناشئة. بالرغم من معاشرة الشعب لتلامذة بيتاغورس ومعرفة مناقبهم، أدّت هذه الإتّهامات الى إثارة حركة شعبية غوغائية انكبّت على مدرسة بيتاغورس وحرقتها وقتلت من قتلت ونجى بيتاغورس بالهرب من مدينته.

ما يجب سؤاله هنا، هل دخول سياسي أو إقطاعي الماسونية في بلداننا، هو لتشريفه على مثال البتاغورسيين أم ليتشرّف به الأخوة؟

قصة حيرام الشهيرة ومقتله على يدّ من طلب على غِرار كيلون ونينون من بيتاغورس السرّ الذي يتحلّى به تلامذته قصّة معروفة. نجد في آثار دير المدينة في 1200 ق م التي كانت تقع في وسط مصر وتأوي مجموعة من العمّال والحرفيين الموكَّلون ببناء قبور ومدافن الفراعنة وأصحاب الشأن. أنّهم قد دأبوا على عملهم ونظمّوا صفوفهم في درجات ثلاثة على غِرار التنظيم الماسوني وحفظوا أسرار مهنتهم. قدّم الى امنهوتي رئيس العمال عاملين غير كفؤين طالبين منه أسرار المهنة لزيادة أجرهم، أسرار تكتسب عامة فقط بالعمل الشخصي. رفض امنهوتي فانكبّوا عليه وقتلوه.

هذه القصص الثلاثة تفيدنا بأنّ التقدّم والكسب لا يكونان إلّا بالعمل الذاتي بصقل الحجر ليأخذ مكانه ومكانته. وهذا الصقل لا يكون إلّا بعد التكريس والتدرّج على يدّ الأساتذة الأقدمين، وليس بأخذ الصور بجانب سياسيّن، هذه هي الطريقة الماسونية التي لا تطلب من الطالب درجات إجتماعية ومقامات سياسية. من يدخل المحفل يجرّد من صفاته الخارجية ويدخل بالتساوي الكامل.

عندما يُقبل شخص في عداد الماسون يُنظر الى مناقبه الإنسانية وقابليته على التقدّم بتجرّد كامل عن مدركاته الإجتماعية. فما يميّز طالب صادق في التفتيش عن نفسه والحقيقة عن سياسي قد يبغى توسيع دائرته وإستخدام الماسونية لمآرب شخصية! وإن دخل نافذ سياسي، هل يستطيع الأخوة أن يقفوا بوجهه أو يعارضوه، وماذا سيكون مصيرهم إن ترك هذا المحفل بعد أن يكون قد عرف الجميع! من هنا، لا نكتفي بعدم أخذ المرتبة السياسية بعين الإعتبار بل يجب التحفّظ منها وعليها.

عمد بعض السياسيِّن الى إستدراج ماسون منحرفين لإطّلاعهم على “الأسرار” الماسونية، فيقوم هذا تحت ذريعة أنّ هذا السياسي نافذ، بإضطلاعه على اللّمسات والحركات موهماً إيّاه أنّ من إمتلك هذه الكلمات واللّمسات إمتلك السّر وأصبح ماسوني وبأنّها ستفيده عندما يلتقي زعامات غربية.

هناك الكثير ممّن يعرفون اللّمسات وكلمات السرّ، وتستطيع إيجادها على الشبكة العنكبوتية، هل يصنع منهم ماسون؟ بالطبع لا.

لا يصبح الإنسان ماسوني إلّا إذا تكرّس في محفل قانوني يديره سبعة أساتذة مكرّسين بحسب الأصول. وبعد أن يُكمل مسيرته التي تخوّله الدخول الى محفل ويكرُّس بحسب الأصول ولا يترقي إلّا إذا قدّم عمل وعليه يستحق أجره. لأن عمل الماسون مبني على فلسفة البنّائين التي لا تقبل زيادة أجر إلّا لمن إستحقه وعكس ذلك يدخل في مفهوم قصة حيرام التي تعتبر من أهمّ المرتكزات العملانية الماسونية.

في هذا السياق قصة جان جاك روسو الذي رفض محفل ان يكرُّسه لأنّه رفض الخضوع للتجارب تحت ذريعة أنّه فيلسوف ويجب إعطائه السرّ الماسوني لمجرّد شخصيته. فإذا رُفِضَ جان جاك روسو هل نشوّه المئزر المصنوع من جلد الحمل الأبيض ونقدّمه لمن ليس بأهل، هذه هي الخيانة التي وقع فيها قتلة حيرام وامنهوتيب ومن غدر ببيتاغورس.

ماذا يقول أندرسون في سنة 1717 عن السياسة، ففي الفقرة السادسة من التصرّفات ورد، نحن (الماسون) نتكوّن من جميع البلدان والمناهج والأصول واللّغات ونحن قطعاً ضدّ جميع السياسات التي لم تساهم أبداً كما أنّها لن تكون بأيّ نفع قطعاً في المستقبل للمحافل.

     إعلم أخي أنّ المسار والمسيرة الإنسانية الماسونية، والوصولية الإجتماعية أمران مختلفان في الجوهر والديناميكية. لربّما صحّ عليهما قول الرياضي المبتدئ: خطّان متساويان لا يلتقيان وإذا التقيا فلا حول ولا قوّة إلّا بالله.