المجتمع في القرون الوسطى

العُصُورُ الوسطى أو القُرُونُ الوسطى هي التسمية التي تُطلق على الفترة الزمنية في التاريخ الأوروبي التي امتّدت من القرن الخامس حتّى القرن الخامس عشر الميلادي. عند البحث في تاريخ الشعوب الأخرى أيّاً كانت نجد شبائه لهذه الفترة ولهذا النظام الإجتماعي. استمرّت هذه الحالة الى حين إنهيار منظومة القرون الوسطى والدخول في عصر النهضة والإستكشاف. وعندما خرجت أوروبا من هذه الحالة الإجتماعية تزامنت مع خروج الشعوب الأخرى أيضاً من تحت نير الإستعباد الإجتماعي

اتّحدت المَمالِك والمؤسّسات السياسية الرومانية مع الإكليروس إبتداءً من قسطنطين الأول وأعادت دعمها مع كلوفيس ومن ثم مع بربروس. هذه المحطات وطّدت النظام الإجتماعي “اقطاع-كنسي” القائم.

مع الإمتيارزات التي أعطيت للإكليروس من الإعفاء من الضرائب والحماية من السلطات القائمة، بُنيَت الأدْيرة على نِطاقٍ واسِعٍ كحملاتٍ لتنصير أوروبا الوثنيّة.

إن طريقة التنظيم الإجتماعي التي سادت في هذه الحقبة كانت تقسِّم السكان إلى ثلاثة شرائح. لم يكن يعتمد هذا التقسيم على الكفاءة بل على مرتكز أيديولوجي عقائدي وتقليدي. وهي :

  • “رجال الدين”
  • “النبلاء، الإقطاعيين أو السّادة والحكام”
  • “عامة الشعب”.

حدّدت هذه المنظومة مكانة كل فرد في المجتمع. والعاقبة كانت على العامة والفقراء الذين فرض عليهم العمل للقيام بجميع حاجات مجتمعهم دون السماح لهم بالمشاركة بعوائده وفوائده. كان الفرسان والنبلاء من المستوى المتدنّي مدينون بالخدمة العسكرية للأسياد في مقابل الحقّ بإستئجار الأراضي والقرى وهم بالمقابل يلزمون الفلاحين الذين لم يكن لهم الحق بإمتلاك الأراضي بالعمل في هذه المزارع والقرى مقابل

المسكن والمأكل والحماية.

لم يكن أمام العامة لإثبات وجودهم وضمان عيشهم إلاّ العمل، إنقسم العمل الى زراعي وكان تحت إشراف الإقطاعيين الذين يمتلكون الأراضي ويتحكّمون بالمزارعين بأنظمة الضمان والمزارعة والسقاية. والحرفيين الذين كانوا يعملون لحسابهم وشكّلوا هكذا ورقة ضغط على بقية القطاعات لحاجة هذه القطاعات لهم. كان للبنائين خاصة مكانة مميّزة إذ يقع على عاتقهم بناء الكنائس والكاتدرائيات كما الحصون والقلاع والقصور وقنوات الريّ الى ما هنالك. احتلّ البنّائين مكانة أقوى من غيرهم من الحرفيين بالرغم من أهميّة عمل النجّارين والحدّادين وأصحاب مشاغل النسيج، الذين كان عملهم ضروري إنّما مكمّل.

تخلّل تلك الفترة ما يُعرف الآن بالحملات الصليبيّة، وكانَت بدايةُ التبشير بها عام 1095، وكانَت عبارَة عن مُحاولاتٍ عَسكريّة من مسيحيي غَربِ أوروبا للسَيطَرة على الأراضي “المُقدّسة” الشرق أوسطية. لم تتّسم هذه الحملات بشئ من القدسية بل أُلبِست لبوس الدين وكان هدفها الإستعمار والمغانم. من الناحية الفكريّة تأثّرت هذه الحقبة بالفلسفة “المدرسية” القائمة على ربط العقل بالإيمانيات. ومن أبرَزِ إنجازات ومشاهير تلك الفترة كان لاهوت وفلسفة توما الأكويني، ولوحات جوتو، وأشعار دانتي وتشوسر، ورحلات ماركو بولو، والفنّ المِعماري القوطي(Gothique) الجليّ في هندسة كاتدرائية مِثلَ كاتدرائية شارتر.

في هذه الحقبة من التاريخ مال الحرفيون إلى تكوين جمعيات أخويّة قائمة على تجارتهم وحرفيتهم و كان منها بين عمال النسيج والبنائين والنجارين والنحاتين وعمال الزجاج، ويسيطر كل منها على أسرار مهنته المنقولة تقليديًا أو “الفنون” أو “الأسرار” الخاصة بالحرفة. وعادة ما يكون المؤسّس حرفيًا ماهرًا مستقلاً حرًا.

تشكّلت هكذا النواة الأولى للنقابات المهنية على أساس أنها أخويات بين العمال. ثمّ بعد ذلك نُظّمت على أن تكون جامعة ما بين إتّحاد مهني وإتّحاد إحتكاري، ولضمان الإحتكار تحوّلت الى جمعيات سرية. امتلكت عندها مكانة ونفوذ أخرجتها من فلك العامة، فما كان من السلطات الحاكمة إلّا العمل لإحتوائها بمنحها حق العمل وتنظيمه بصكوك براءة عمل وإحتكار. ومنها ما عرفناه تحت مسمى ( صكوك-Chartes). التي كانت تنظم العمل بإعطاء بعض الحريّات للبنّائين ومحاولة إبقائها تحت سلطة الحاكم.

المسمّى الغربي للبنائين هو (Maçon بالفرنسية و Mason بالإنجليزية) والأمكنة التي كانوا يجتمعون بها اتخذت اسماء ك”محفل (Loge)، “حصن”، “مجمع” الخ…

من هذه الصكوك :

  • La Chartre d’Athelstan (926)
  • Les Ordonnances de la Cathédrale d’York (1370(
  • Le Regius (1390(
  • Le manuscrit Cooke (vers 1410)
  • Les Statuts de Ratisbonne (1498(
  • Les Statuts de Strasbourg (1563(
  • Les Statuts SCHAW (1598-1599(
  • Le Manuscrit CHETWODE CRAWLEY (1700(
  • Le Manuscrit SLOANE (env. 1700)
  • Le Manuscrit DUMFRIES (env. 1710)
  • Manuscrit GRAHAM (1726)
  • Les Constitutions d’Anderson (1723)
  • Le Discours de Ramsay

 

من يتابع صدور هذه الصكوك (Chartes) يلاحظ دخول أفكار إجتماعية وسياسية الى داخل هذه المحافل. لم يقتصر إهتمام هذه التجمّعات على حماية أسرار المهنة فقط بل تجاوزها الى الولوج بنقاشات سياسية وإجتماعية. وهذا ما سمّي بالإنتقال من الفكر العملي الى الفكر الفلسفي والإجتماعي والنظري. بانت أولى هذه النزعة في سنة 1390 مع “الريجيوس”وتطوّرت فيما بعد الى أن وصلت الى دستور أندرسون الذي وببنده الأول حدّد المسار الجديد للعمل الماسوني.

وضعت الثورة الفرنسية نهاية لنظام الإحتكار العمالي القائم على إحتكار أسرار المهنة، وعدم المساواة القانونية بين المواطنين، ألغيت الإمتيازات في ليلة 4 أغسطس 1789. وصدر قانون Le Chapelier في فرنسا في 14 يونيو 1791، حَظَرَ على منظّمات العمال وتجمّعات الفلاحين والحرفيّين إحتكار أسرار مهنهم وأنشأت المعاهد المهنية المعروفة.

في بقية أرجاء العالم.

لم تكن هذه المنظومة حكراً على أوروبا إذ أنّ التلاحم مابين الإقطاع ورجالات الدين كان سائدا في كثير من أرجاء العالم. فكما تشكّلت جمعيات عمّالية أوروبية تشكّل أيضاً وفي كثير من البلدان جمعيات عمالية وكان منها:

منظّمات إغريقية في مصر البطلمية كانت تدعى كوينون (koinon)، كما ظهر في القرن الثالث قبل الميلاد ومن الأصول الرومانية كوليجا (collegia)، التي انتشرت مع توسع الإمبراطورية. وواصلت منظمات الحرفيّن الرومانية تطوّرها في إيطاليا في فترة العصور الوسطى تحت اسم آرس (ars). وكان أول تنويه عن النقابات المهنية في ألمانيا في القرن العاشر، وكان الاسم الألماني Zunft للنقابات المهنية وللحرفيين وGilde لنقابات التجار. وكان يطلق عليها اسم Métiers في فرنسا وظهرت النقابات المهنية في إنجلترا في القرن الثاني عشر.

ظهرت أيضًا المنظمات الحرفية على نحو مستقل خارج أوروبا.

ومنها الهانغواي (hanghui) الصينية في فترة أسرة هان (206 قبل الميلاد – 220 بعد الميلاد)، ولكنّها تميّزت تحديدًا في أسرة سوي (589 – 618 م). وأثناء فترة غوبتا في الهند (من 300 إلى 600 م)، كانت جمعيات الحرفيين، التي كانت لها جزور تنظيمية سابقة، معروفة باسم شريني (shreni)، وسينف (senf) (أو sinf). في القرن العاشر تحركت إيران لنشر النقابات أيضًا في المناطق العربية والتركية تحت اسم فوتواه (futuwwah) أو فوتوفيت (fütüvvet). وفي القبائل المجاورة من اليوروبا (نيجيريا) ونوبي أعطيت المنظمات أسماء إيجبي (egbe) وإيفاكو (efakó). على وجه التحديد في العصور الوسطى في إمبراطورية أويو والمعروفة في هذه الأيام بجنوب غرب نيجيريا وبنين، تطوّرت النقابات المنفصلة حتى شملت الراقصين المحترفين ونحاتي الأقنعة والموسيقيين المتعلقين بـإيجونجون (egungun).

تعامل الكنيسة مع هذه الجمعيات.

كما كان الإقطاع يحمي الكنيسة ويقدّم لها الإمتيازات الضرائبية وحرية واستقلالية العمل “المسمى” داخلي وغيرها، كان واجباً على الكنيسة حماية مصالح الإقطاع وذلك بسن قوانين تهدّد العمال بالحرم والقطيعة إن خالفوا مصالح الإقطاع ومنها مجمع روان 1189 والحملة ضدّ الكاربوناري. في مجمع روان (concile de Rouen) حرم العمال الأحرار الذين يعملون لحسابهم فقط لعلّة عملهم لحسابهم.

نظراً لتفاوت مستويات العمال الفكرية والتحرّرية، ظهر اجتماعياً تلوين ديني تمثّل بالقول والأخذ بشفاعة “القديس يوحنا” للعمال، ومنها يقال محافل القديس يوحنا. كان الغنوصيون الذين امتدّت جذورهم الى الكاتار يعتمدون انجيل ليوحنا غير ذلك المعتمد من الكنائس. ممّا يوحي بأنّ بعض من استمزج أفكار الغنوصيين بفصل الدين عن الدولة، وانتخاب الممثل الديني من الشعب الخ.. دخلت الى المحافل وخشيت الإضطهاد ادّعت شفاعة القديس “يوحنا” غير يوحنا الإنجيلي، لإعطاء غطاء إجتماعي ديني ودرء الخطر عنها.

في المحافل المحميّة من آذان السلطات، أتيح للبنّائين الفرصة لمناقشة أفكار “روجر بيكون”، الراهب الفرنسيسكاني الذي أراد إخضاع المعرفة للتجارب؟ أو نظريات الراهب الدومينيكاني “إيكهارت” على الوجود الظاهري لله وعلاقته بالواقعية على الأرض؟ كما كانوا ومن خلال الحملات الصليبية وبالتأكيد بإتصال مع البُناة المسلمين، ممّا دبّ الذعر في قلب السلطات الحاكمة التي خشيت دخول أفكار غير تقليدية الى المجتمع

المطوّقة له وعليه ببراثنها.

لم يخْفَ هذا على السلطات التي كانت تمضي وقتها وتصرف طاقتها في محاولة دائمة للزود عن مصالحها الى تجديد هذا الحرم بعد أن حُلَّ تجمّع فرسان الهيكل في سنة 1312 الذي كان يؤمّن الحماية للمحافل لتداخل المصالح بينه وبينها، فهي التي كانت تقوم ببناء الحصون والقلاع له في الشرق والغرب. استغمنت القوى الحاكمة الفرصة وأعادت حرم العمال في مجمع افينيون. المهم،وما يجب ملاحظته هنا وما يتبيّن ممّا ورد في كتاب الحرم، بأن هذه المحافل لم تكن تضمّ عمّال فقط! بل مفكّرين وشعراء وكتّاب وجدوا في هذه المحافل فسحة للنقاش وتبادل الأفكار.

ماذا نقرأ في خلاصات مجمع افنيون 1326:

“في بعض الكانتونات في مناطقنا، هناك أناس، معظمهم من النبلاء وفي بعض الأحيان عامة، ينظّمون نقابات وتجمّعات محظورة … يجتمعون …، في مكان ما لعقد إجتماعاتهم (مقابلات، محادثات سريّة) ….. وبعد إرتداء لباس موحد، ويستعملون علامات وإشارات مميّزة وينتخبون واحد منهم رئيساً لهم”.

هذه إشارات واضحة بأنّ من كان يجتمع في هذه المحافل لم يكن هدفه الأعمال الحرفية فقط. إنّه من الطبيعي أن يتبادل الإنسان مع من يشاطره العمل والحياة المشاكل التي تحيط به من إجتماعية وسياسية الخ…

الحرمانات الكنسية وما تبعها من إضطهاد للتجمّعات والنقابات والتعاضديات عامة وللماسون خاصة تجلّت في عدد من الفرمانات، يوجد في الموقع دراسات عن هذا التاريخ الذي أُعيد تجديده في سنة 1738 تاريخ اصدار”In Eminenti” الذي كان تحذير من الماسونية وليس حرم وكلّ ما تبعه كان سياسياً بشبهة عقائدية.

كان الكاربوناري وهي كلمة تعني الفحامين بالإيطالية يعملون في مشاحر الفحم في الغابات التي كانت ملك الإقطاع. لم يتوانى الإقطاع بالضغط عليهم بزيادة حصّته تارةً ورفع سعر الضمان في أخرى لإستغلال هذه الطبقة العاملة. تذمّر هؤلاء كما استنكروا عمل الإقطاع فما كان من هذا إلا شكواهم الى الكنيسة التي قامت بحرمهم للضغط عليهم وابقائهم تحت سيطرة السلطات الاقطاعية ومنهم خرجت “ايطاليا الفتاة”. وعلى مثال ما حصل في ايطاليا وصلت هذه الافكار الى تركيا وكان منها تركيا الفتاة أو الأتراك الشباب (بالتركية: Jön Türkler).

مسيرة الشعوب للتحرّر الفكري والإجتماعي لا تنحصر ببلد ولا بعنصر بشري. النفس تطوّق للحرية أكانت في الشمال أم الغرب أم الجنوب الخ…

إنّ الطبيعة البشرية المبنية على الفطرة ترفض أن تكون محكومة ظلماً وعدواناً، كما ترفض أن تُذلّ وتستعبد،كما أنّها تصبو للعلو والتقدّم مهما وضع في مسارها أو تعرضت لضغوطات فوقية.

ولد الإنسان حراً ولم تستطع أيّ قوّة في التاريخ ادّعت أو لبست لبوس الدين أن تحدّ من طموحه وتقدّمه.

عصى الإنسان على الطغيان ولو اضطر الى السكوت في بعض الأوقات والمداهنة للخلاص بنفسه والحفاظ على ممتلكاته.

كان الإنسان البداية ويبقى الغاية الأولى والنهائية.

الإنسان مرتكز المجتمع والمجتمع مرتكز الإنسانية.

والإنسانية هي القوّة العاملة في باطن كلّ واحد منّا.

إمّا نكرّمها أو نتركهم يهينوها.

فأكرموها.

الشعب حاملاً على ظهره الإقطاع والإكليروس.