في دستور أندرسون

 

كما تبيّن من الدراسات الأثريّة والتاريخية والتي بُحِثَت في هذا الموقع، تواجدت هيكليات المحافل تحت أشكال ومسمّيات عدّة منذ أن حاول الإنسان التفوّق على ذاته وحاول فهم نواميس وأسرار الطبيعة. ففي سنة 1717 في بريطانيا إجتمعت أربعة محافل فيما بينها لإقامة إتحاد، ليكون فسحة للتبادل المعرفي والزيارات ويوطّد العلاقة ما بين الماسون ويساعدهم في درء المخاطر الخارجية كما الرد على التساؤلات الداخلية.

كان لهذه المحافل أسماء مقاهي، لأن المفكّرين الأحرار كانوا يجتمعون في خلفية المقاهي للمحادثة والتبادل، وهي (À l’Oie et Gril)، (À la Couronne)، (À la taverne du Pommier)، (À la taverne Coupe et Raisins). إجتمعت هذه المحافل الأربعة مع عدد من الأخوة الكبار وإختاروا رئيساً لهم وإتخذوا للناشئة الجامعة الجديدة مسمّى “محفل أكبر”. هنا نفهم أن المحافل المستقلّة تواجدت قبل المحافل الكبرى وهي الأساس في الماسونية. المحافل الكبرى تفتح المجال للتعارف وتبادل الخبرات وتسقط عندما تعتبر ذاتها المرجع المعطي للشرعية والمحرم لها. هنا نخرج من المفهوم الماسوني وندخل في صلب تكتّلات وتجمّعات زمنية ومحدودة الجغرافية.

أوكَل المحفل الأكبر الى أندرسون بكتابة تاريخ له وجمع الأسس التنظيمية. على الباحث أن يعرف أن ما كُتِبَ عن أندرسون كتبه محبّيه وأعدائه. بطبيعة الحال سيجد من ينكبّ على دراسة تاريخ الماسونية في هذه الحقبة تناقضات، والتعصّب لهذا او ذاك التاريخ، يوقع الباحث في صبغة التشيّع الأعمى لفريق دون الآخر وعدم الإرتكاز على أسس علمية. في دراستنا هذه ننحو للمنهج العلمي ولا نأخذ بالعصبيات ولا التحزّبات.

أضِف الى الكثير الذي قيل في أندرسون بأنّه لم يكن بكاتب الدستور وأنّه تأثّر بهذا أو ذاك، هذه أقاويل لا يُقبل بها لأنه لا يجوز الإرتكاز على كاتب مهما عَلَتْ مكانته إن لم يكن هناك امكانية مناقشتها علمياً. وبخاصة عندما يكتب في أيّامنا بعد 300 سنة من كتابة دستور أندرسون، على الباحث لا يقبل إلّا بالمقاربة التاريخية العلمية. وكما أوضحنا عند التكلّم عن الهيرومنطيقية، بتعاملنا مع النصّ بمنهج دراسة النصوص العلمية وهذا ما سيكون مع دستور أندرسون.

طلب أندرسون من الأخوة إيداعه المخطوطات التي بين أيديهم. قام البعض بحرق ما بحوزته من مخطوطات خشية وقوعها بين أيدي الغرباء. من هنا قال أندرسون أنّه إعتمد على ما استحوذ عليه وكانت أقدم وثيقة بين يديه هي صكّ الريجيوس 1390.

هل كان أندرسون يمتلك “كل” ما يلزم لكتابة كتيِّبِه؟

1-حرق المستندات التي كانت محصورة بالمحافل المحيطة بأندرسون.

2- وجوده في بريطانيا وإقرار أندرسون  بوجود محافل أخرى خارج بريطانيا، ممّا يعني وجود مخطوطات أخرى.

3- تبيّن مع الإكتشافات التاريخية والأثرية وجود مصادر أخرى ووثائق أقدم من الريجيوس 1390.

4- في سنة 1015 عرف محفل للبنّائين عند بناء كاتدرائية ستراسبورغ، 700 سنة قبل أندرسون.

5- في سنة 1189 قبل 528 سنة، في مجمع روان (Rouen)، حرمت الكنيسة البنّائين الأحرار وبنّائي قنوات الماء والريّ.

6- وثيقة يورك أو اتلستان سنة 926 (قبل 800 سنة). (La Chartre d’York, de 926, dite Chartre d’Athelstan). بالإضافة الى عشرات الصكوك التي بيّنتها الإكتشافات الأثرية والتاريخية في أماكن مختلفة.

إحتاط أندرسون لعلمه بعدم تملّكه كلّ المواد التاريخية، وهذا يحسب له بمنهجه الذي قارب فيه كتابة دستوره. لذلك، صرّح في الفقرة 39 من دستوره 1723، إنّ عمله هذا يبقى تحت تصرّف المحافل الكبرى للتحديث والتغيير بحسب ما يتبيّن لاحقاً. في نسخة 1784 تبدّلت الفقرة 39 بالرقم  l’Art. IX

أزال بهذا أندرسون “القدسية” عن دستوره وأدرجه في مكانته الوضعية القابلة للتحديث والتغيير بحسب الظروف المكانية والزمانية. ما يهمّنا في دستور أندرسون هي المنهجية الفلسفية والفكرية المرتكزة على الكلمات المسطورة. وبخاصة بأنّنا كمفكّرين أحرار نرتكز على الرمز والرمزية لإيصال المبغى من خلال مسيرتنا.

بطبيعة الحال عندما نذكر أندرسون لا نعني الشخص بعينه، فهذا عاش ومات وكانت له حياته ولنا حياتنا، إنّما روحية الدستور الذي جمعه وكتبه والتي عبّرت وتعبّر عن فلسفة البنّائين في ذلك الزمان.

لا يوجد أي إعتقاد “بأنّ أندرسون أُلهِمَ” أو صبغ مجرى الماسونية، ويبقى دستوره وكما كتب بالصريح من الأعمال التي عليها أن تتطور مع الإنسان والتاريخ. هو بخلاف كتاب مدام “بلافاتسكي للانتروبوسوفي”  وكتاب “ماكس هنديل للروز كروا دور”، هذه كتب توثّق وتربط المسيرة وتطوّرها.

لو قبلنا “كتاب” كمرجع لأصبح عندنا مستلزم وهذا ما لا تقبل به الماسونية. من هنا نفهم أنّ روحية دستور أندرسون هي المقصودة من البحث وهذا ما سنبيّنه.

عرفت المحافل الماسونية بإعتبارها جمعية:

  • تتألف من حرفيين وبنّائين خاصة.
  • يمتلكون طقس تكريسي للدخول وعندهم درجات ثلاث كانت عند البعض إثنتين.
  • لهم طقوسهم الخاصة والإنتقال من درجة الى أخرى يتطلّب عمل وجهد والمرور بطقوس رمزية.
  • لا فرق بين بنائّين وحرفيين ومفكّرين.

كانت توصف هذه الجمعيات بعملية وحاول البعض فصلها عن رديفاتها الحالية الفلسفية، معتبرين أنّ هؤلاء الرجال لم يكونوا يتكلّموا إلّا في أمورهم المهنية فقط وكانوا يضعون فاصل قاطع فيما بينهم وبينها عند إجتماعهم، ويمتنّعون عن أي مناقشة أو مسايرة إجتماعية، وأنّهم إلتزموا بهذا لسنين طويلة. يقول علماء الإجتماع أنّ هذا القول والإعتقاد هو نوع من السّذاجة، لأنّ الطبيعة الإنسانية والبشرية ميّالة الى مشاطرة هموم بعضنا البعض، من إقتصادية وإجتماعية وفلسفية وسياسية الخ…

أظهرت الأبحاث التاريخية وجود جمعيات عمالية سرية مؤلّفة من ثلاثة درجات وتعتمد السرية والطقسية وترتدي مآزر مختلفة في إجتماعاتها. ومنها ما إكتشفه (Bernard Bruyere) في دير المدينة، البنّائين المسؤولين عن بِناء قبور الفراعنة في فترة حكم السلالة 18 و20 ما بين سنة 1550 ق.م الى سنة 1080 ق.م. وكانوا يتناقشون بالأمور الإجتماعية والسياسية التي تحيط بهم. إثبات على ذلك إضراب العمال في دير المدينة وهو أقدم صراع عمالي معروف في التاريخ. وقع هذا الإضراب في العام 29 من عهد رمسيس الثالث (حوالي 1166 قبل الميلاد) في دير المدينة، بالقرب من طيبة في مصر، وهو موثّق ببرَدى محفوظة في متحف تورينو-ايطاليا تحت مسمّى “بردى الإضراب” ” Papyrus de la Grève “. كذلك في القرون الوسطى تواجد بين العمّال فنانين وفلاسفة وأصحاب كلمة أدبية الخ… وهذا ما نقرأه في خلاصات مجمع افنيون 1326: “في بعض الكانتونات في مناطقنا، هناك أُناس، معظمهم من النبلاء وفي بعض الأحيان عامة، ينظّمون نقابات وتجمّعات محظورة … يجتمعون …، في مكان ما لعقد إجتماعاتهم (مقابلات، محادثات سرية) ….. وبعد إرتداء لباس موحّد، ويستعملون علامات واشارات مميّزة وينتخبون واحد منهم رئيساً لهم”.

في الموقع دراسة عن هذا الموضوع أدخلناه هنا فقط للتّسطير. ولو شكّك أحدهم بأحد المراجع هناك المئات منها والتي تثبّت تفكير الإنسان ووجود مفكّرين أحرار في المحافل وذلك قبل 1717 وإلّا إعتبر هذا إهانة للإنسان والإنسانية معاً. علينا أن لا ننسى بيتاغورس ومحافله وغيره.

يقول أندرسون أن دستوره هو بغاية إيجاد مبادئ يلتزم بها الأخ عند تكريسه. أدخل بعض المتزمّتين الكتاب الديني ووضعوه مكان دستور أندرسون، للحلف عليه والإلتزام، معتبرين أنّ الكتاب الديني يمكن أن يربط الشخص أكثر من كتاب كتبه إنسان. في الحديث، كثير من المحافل لا تعتمد لا كتاب أندرسون ولا الكتاب الديني بل “كتاب أبيض” معتبرين أن الإنسان لا يُربط بحبل كالبهائم ولا بالخوف والتهديد بل بإلتزامه أمام ضميره الحيّ، فيمثّل عندها الكتاب الأبيض كلّ ما يعتبره عزيز وغالي بالنسبة اليه. إذا كان الفارس يحلف ويأخذ وعوده على سيفه، الرجل الحرّ يأخذ وعوده أمام ضميره وليس بحاجة لكتاب يرهبه بحنث وعده. وعده هو وعد الحرّ.

يتألّف دستور أندرسون من ثلاثة أقسام، قسم تاريخي، قسم للمبادئ العامة والتنظيمية و القسم الأخير يحتوي أناشيد كان الماسون ينشدوها في المحافل وفي ساعات الإجتماع الترفيهية الخارجية.

في عنوانه يقدّم أندرسون دستوره عل أنّه للماسون المتواجدين في بريطانيا وما وراء البحار. يعترف صراحة بوجود ماسون خارج بريطانيا، ولكنّه حصر التاريخ الخاص في القسم الثالث ببريطانيا. نعرف أنّ هناك مقاربات تاريخية مختلفة لهذا القسم ومنها مقاربة (Chevalier de Ramsay)  الذي أعاد تاريخ الماسونية لفرسان الهيكل كما عمد غيره الى نظريات أخرى.

في القسم التاريخي.

لكتابة تاريخ يعتمد الإنسان على الدراسات والأبحاث الموثقة السابقة. حاول أندرسون إعطاء صبغة شاملة لتاريخه فقسّمه الى ثلاثة أقسام:

  • تاريخ للبشرية جمعاء.
  • مقدّمة لتاريخ الماسون معتمداً على ما توفّر له من مخطوطات وتاريخ.
  • الماسونية في بريطانيا.

لم يكن متوفّر للبشرية إلّا الكتاب الديني، الوحيد الذي تكلّم عن تاريخ البشرية منذ ما عُرف بخلق آدم. الكتب الدينية كانت المصدر الوحيد الذي كان متوفّراً بين أيدي الناس في المجتمعات التي سيطر عليها الإقطاع والمسيحية. الأسباب التي فرضت هذا الواقع نوقشت في القسم المخصّص للماسونية والكنيسة ومنها: محنة القرن الثالث الميلادي والطلب من تيودوز واتاناز بحرق كلّ الكتب المخالفة، حرق المكتبات: الإسكندرية، القسطنطينية وحتى مكتبة روما من قبل غريغوار الكبير. الخ… فما كان من أندرسون سوى الأخذ برواية الكتاب وأعاد خلق البشرية وتاريخها الى آدم. لذلك قال

أنّ المسيرة البشرية  إبتدأت مع آدم من 4003 سنة قبل التقويم الميلادي.

إعتمد الماسون هذا التاريخ وأدخلوه في حساباتهم. فأصبحت سنة 1700 تكتب (1700+4000) 5700 وسنة 2020 تكتب (2020 +4000) 6020. لم يؤخذ بالثلاث السنين الواردة في حسابه، إلّا أنّ وفي القرن الثامن عشر أخذ بها مدّعياً إلتزاماً حرفياً فكتب لسنة 1700 (1700+4003) 5703 محتسباً السنوات الثلاث التى أعاد أندرسون تاريخ آدم إليه.

هل من عتب على أندرسون؟..لا إحراج ولا حرج لأندرسون في ذلك إذ أنّه لم يكن متمكّن في وقته أكثر ممّا كان بين يديه. بقي الكتاب الديني المرجع في تاريخ البشرية الى بدايات القرن العشرين. وحتّى في أيّامنا الكثيرين يعتبرونه المرجع الأمّ  في التاريخ.

كما رأينا عبّر أندرسون عن فطنة وتسامح كبيرين عندما أورد في الفقرة 39 من دستوره أنّه يحقّ للمحفل الأكبر مجتمعاً بحسب الأصول تغيير أي فقرة من دستوره بما في ذلك التاريخ.

سنعمد لدراسة تاريخ البشرية بأسلوب حديث. سنبتعد، كما في جميع دراساتنا عن الجدل والغوص بتفاصيل روائية. ليس لعدم معرفتنا بالتفاصيل الدقيقة لنشأتها بل لأنّها ليست الفاصلة في الدراسة التاريخية المقارنة. يحقّ لكلٍ الأخذ بالرواية بالشّكل الذي يرتئيه، إذ تدخل عندها أكثر في ما يسمى بالتقليد.

بماذا يتمييز التاريخ الذي إعتمده أندرسون؟

1-تاريخ البشرية يعود الى 4003 ق.م ومنها إستُخلص أنّ تاريخ الأرض يعود الى ألف سنة قبل البشرية.

2- عودة البشرية الى أصل واحد وهو آدم.

3- الإنسان هو محور الكون والغاية من وجوده ما يطرح العلّة المتّصلة أوالمنفصلة للإنسان مع الكون. هل وجد الكون ومن ثمّ الانسان (علّة منفصلة) أم أنّ الإنسان كان في مسيرة تطوّر مع الكون(علّة متصلة).

 

كانت البشرية والى بدايات القرن العشرين تعتمد هذه الرواية وكثيرين الى أيّامنا هذه:

  • لإن سألتهم من أبا الشعوب؟ لأجابوا آدم.
  • منذ متى وجدت البشرية؟ لأجابوا منذ آدم.
  • ما هو محور وغاية الكون؟ لأجابوا الإنسان.

 

الثباتية fixisme.

نظرية الثباتية هي التي كانت سائدة الى أوائل القرن العشرين 1920-1930.

هي نظرية ترفض الأفكار التطوريّة وتعتبر بأنّ مكوّنات هذا الكون من مجراّت وكواكب بما فيها الأرض والكائنات من نباتية أو حيوانية أو بشرية خُلقت كما هي في صورتها وحلّتها النهائية.

فالجبال وُجدت كما هي كجبل آرارات، جبل حوريب، الخ… والسهول والأنهار والبحار وغيرها، كما نعرف تقديس اليابانيين للجبال والهنود للأنهار الخ…  هذه هي النظرة التي فُرضت في حقبة سيطرة الكنيسة المسيحية كانت مسمّاة  Fixisme، الثباتية وهي تتبنّى الخلق النهائي. وجود الأشياء بأشكالها النهائية كان الشائع في القرن التاسع عشر. حتى أنّه وفي أواسط القرن العشرين كان الإعتقاد بأنّ الأجرام السماوية ثابتة. أنشتاين كان يعتقد كالكثيرين بأنّ الأجرام ثابتة الى أن تمّت إكتشافات هبل (Hubbel) والتي أثبتت تمدّد الكون وعدم ثباته. الفهم الدقيق لتكوين الأرض وتطوّرها وأنتقال هذا من نظرية في أوائل القرن العشرين الى حقيقة دامغة وبخاصة من جهة نظرية الصفائح والفهم الدقيق لتكوين قشرتها. نعرف اليوم وباليقين بأن الأرض تتحرّك ولم تكن على ما كانت عليه في القديم. الجبال كانت بحار والصحاري كانت غابات الخ… كما تبيّن وبشكل قاطع أنّ الأرض تعود لأكثر من 6000 سنة كما قالت الكتب بل الى أكثر من أربعة بلايين سنة.

تفكّر.

وجد الإنسان في بدايات القرن العشرين كمن كان في أيام غاليلي ويجادل في دوران

الأرض معتمداً على توقيف الشمس من يوشع، الى أن أثبت العلم خلاف ذلك. نحن أمام رواية دينية وحقائق علمية! تضعضعت الرواية الدينية أمام:

– الإكتشافات الفلكية من نشأة النجوم والمجرّات الى إعادة تدويرها.

– البراهين العلمية التي أثبتت تطوّر الأرض كجرم يعود الى حوالي أربع مليارات سنة.

– نظرية الصفائح التي تكوّن الأرض التي أصبحت في أيّامنا حقيقة ملموسة ومثبّتة.

– تطوّر إمكانيّات التأريخ الدقيق مع المواد المشعّة من كاربون 14 الى اليورانيوم توريوم.

هذه كانت الإسفين الغليظ الذي دقّ في نظرية الخلق النهائي.

هل كانت البشرية بالحدث أو بالفطرة تعي هذه الاشياء المتغيِّرة؟

إنبسط على الفكر أحادية دامت لأكثر من ثمانية عشر قرناً، حاولت السلطات الدينية فرضه وإثباته. ممّا أدّى الى اضطهاد كل ما كان مختلفاً. حُرمت هكذا البشرية من إرث كان من الممكن أن يعود عليها بالفائدة الكبيرة. لم تصل الى أيدينا أفكار الأقدمين إلّا بعد تحّرر العلم من قبضة السلطات العابثة وتطوّر العلوم بشكل مستقلّ. ومنها علم التاريخ والآثار والباليونتولوجيا وعلم الجينات.

وتبيّن أنّه بالفطرة أم بالحدث عرفت شعوب كثيرة بأنّ الكون غير محدود زمنياً بالفترة المحدّدة من قِبَل بعض الديانات المعروفة بالإبراهيمية.

– تكلّم البعض عن مدارات لم نعرفها إلّا بالتحقيق العلمي لعلم الفلك ومنها مدار محور الأرض. المعروف ب”مبادرة محورية” (précession des equinoxes ).

– يقول العالم الالماني سشنابل (Schnabel) في بداية القرن العشرين مرتكزاً على إكتشافات أثرية بأنّ مكتشف هذا المدار هو كيدينو (Kidinnu) البابلي.

– في سنة 130 ق.م تكلّم هيببارك (Hipparque) عن المبادرة الحورية.

– أُعيدت مدارات الأرض الى أكثر من 12.000 سنة.

– كما أن الشعوب الهندية كانت تعتقد بقِدم الأرض.

  • نعرف أنّ من درس هذه المدارات وأوردها مع باقي الدراسات هو ميلنكوفيتش (Milutin Milankovitch) 1925.

كلّ من تكلّم عن محاور للكون أو عن رواية تخالف الروايات المعروفة اتُّهم بالزندقة والكفر ولوحق الى أن نالت السلطات منه باللّجم والحرق. عندما تكلّمنا عن “الهرمسية الجامعة” وجدنا أن كثير من الشعوب وبالفطرة وصلت الى مفاهيم تتقارب مع الفكر العلمي الحديث.

لو سُمح لهذه الأفكار الهرمسية بالبذوغ وأُتْبعت بدراسات لكانت وصلت البشرية الى ما هي عليه اليوم قبل ذلك بقرون. إذ أنّ السلطات الحاكمة عاقبت كل من تجرّأ ودرس نشأة الكون وتكوين الأرض من غاليلي، جوردانو برونو، جيليو فيناني، جان بوتيرو، تيار دوشاردان وغيرهم بالنفي والقتل.

وليس بالبعيد مؤتمر روما للعلوم الفلكية سنة 1981 الذي كتب عنه “Stephen hawking” والذي طلب فيه البابا يوحنا بولس الثاني منهم عدم التوسّع بالأبحاث لمعرفة كيفية البيغ بنغ. ورد هذا في كتابه قصة موجزة عن الزمان. ص 146 flammarion .

 

كيف سنعالج الموضوع؟

لن ندخل في جدلية هرمنوطيقية  ومقارنة النصوص الدينية في دراسة القسم التاريخي التي إعتمده اندرسون، بل بيّنا بأنّ هناك واقع آخر مثبّت علمياً الذي يدحض ويسقط الفرضية التي قدّمها أندرسون من جهة تاريخ البشرية.

أضف الى ذلك الدراسات الأثرية، الإثباتات الباليونتولوجية و الإثباتات الجينية.

1-الإثباتات الأثرية: شتال هويوك، منطقة باكستان، الصين، نطوفيين، كباريين، وغيرها أثبتت الإكتشافات الأثرية أنّ هذه الشعوب وغيرها عاشت في فترات تعود لأكثر 12000 سنة ق.م، الذي يسقط تاريخ 4000 ق.م.

2- الباليونتولوجيا: تقييم عمر الهياكل المكتشفة من اواز، الى فرنسا الى جبل ايرهود بالمغرب، الى غيره يعيد وجود البشرية لأكثر من عشرات آلاف السنين.

3- الإثباتات الجينية: التى تقاطع الإكتشافات السابقة وتؤكّدها. وتضيف بإثبات تناسل بين البشرية والمخلوقات الأخرى. كما بين النيندرتال والإنسان المعاصر الخ…

نحن في فترة تشبه فترة غاليلي وإثبات كروية الأرض. هناك إكتشافات علمية تدحض الروايات الكتابية.

 

كيف نتعامل مع هذه الوقائع؟

وقع أصحاب نظرية الثّبات في مأزق كبير! هناك من إعتمد وما يزال يعتمد على هذه النظرية، وهم أصحاب بعض الديانات التي ترفض البراهين العقلية والمخبرية بحجّة الإخلاص لنصّ.

فانقسموا  الى قسمين:

– منهم من بقي على قوله بأنّ الأرض والكون نهائيين وأن العِلِم يُخطئ. وأنّ آدم أبا البشرية وأنّ الدراسات الباليونتولوجية التي تعيد الإنسان الى عشرات آلاف من السنين خاطئة. وتمازج الإنسان مع المخلوقات السابقة كما بينّته دراسات لمؤسسة ماكس بلانك(Max Planck) وغيرها خاطئة.

– ومنهم من حاول إيجاد مخرج بدفع المعضلة الى الوراء بطرح نظرية تقول بأن خلق المادة الأولى لم يتأتَّ إلّا من تدخّل لهذه القوة الأولى أما التطوّر فجاء بحسب السنن التي وضعتها هذه القوة الأولى نفسها.

– ومنهم من سلّم بتطوّر المادة أمّا عند الوصول الى ذوات الأنفس فيعتبرون أنّ الخلق لا يُفهم بمنظار المقابلة العقلية لما هو موجود مع ما قبله إنّما هو علاقة خاصة بين الخالق والمخلوق خارج الأشكال أو الحالات التي يكون قد مرّ بها الإنسان.

 

موقف الماسون من هذا التاريخ.

– يعتبر الماسون أنّ ما كتبه أندرسون من تأريخ تجاوزه الزمن ولم يعد مرجع يُرتكن عليه.

– من جهة قصة خلق العالم أو تكوينه، هذه من الأمور التي لا يدخل فيها الماسون بجدالات ويتركون الحرية لكلّ فرد بإعتقاد ما يناسبه أكان مرتكناً على قاعدة دينية كتابية أم علمية.

– يتوافق الماسون على مقدّمة تاريخ أندرسون التي تقول بأنّ الأرض وما عليها والإنسان وُجدا من قبل مهندس الكون الأعظم.

من هو هذا المهندس، ما هي صفاته، ما واجباتنا تجاهه وهل من فروض أو غيرها… كلّ هذا يعود لكلّ فرد بمفرده ولا يضيف الماسون على مفهوم مهندس الكون أي شيء آخر.