الشخصية والشخصيات الماسونية

نظرة موجزة في شمائل الشخصية.

 

الشخصية تمثّل مجموعة من التصرفات البشرية التي تصدر عن فردٍ وتكوّن فَرادته. وتميِّز شخص بما يدخل في تفاعلاته المستدامة من جهة التصرف والتعبير مهما كانت هذه الميزات. الشخصية هي النواة الثابتة لشخص وتكون عبارة عن محصِّلة تجارب داخلية وخارجية أم تكوينية جينية أم منطبعة من المحيط الذي تطوّر به الفرد.

معرفة شخصية وتحديدها هو من الأمور المعقدة والصعبة. طرق السبر الحديثة تحاول وضع الفرد في إطار كبير ثم تعمد الى تضيقه لتقليل الهوامش العامة والمشتركة.

يخلط العامة ما بين الشخصية والمزاج، هذا الأخير يعبّر عن أسلوب تفاعل المرء الذي قد يكون في مكوناته موروثات جينية. بينما الشخصية هي نتاج وراثي وتعلّم وتمرّن إجتماعي وعقلي، فلذلك نقول مستدامة.

ميّز علماء الإجتماع في الشخصية شمائل يصفها كصفحات. تصبح الشخصية عندها وكانها كتاب مؤلف من شميلات. من هذه الشمائل نفرق بين الإجتماعية ( كالصدق والود الخ…) ومنهم من يقيّم هذه الشمائل ( كالجدارة والدينامية الخ…). نجد في علم الإجتماع أو الأنتربولوجيا أو في علم النفس تصنيفات مختلفة للشخصية تتقارب وتتباعد وذلك بحسب الإنتماء الى هذه أو تلك المدرسة.

 

كيف تعاملت الماسونية مع مسألة الشخصية؟

 

فَهِمَت الماسونية وهذه من الإنجازات العلمية الكبيرة التي تكتب لها وتقدَّر، تفاصيل الشخصية الإنسانية مذ سعت مع الإنسان الى تطوّره وتطوير قدراته، بالإضافة الى تطورها هي مع التقدم في فهم نتائج التجارب الوجدانية داخل مكوناتها. وميّزت عندها ما بين الموروث الجيني والمكتسب الثقافي والفكري والتفاعل الإجتماعي. وذلك بإعتماد منهجية تفصيلية ذات حدّين التي وكالسيف تشذّب العوالق بطرفيه.

فالجامعات الأكاديمية إهتمت بتطوير الفكر ومباحثه. أمّا الأديان فادّعت رفع الإنسان والإرتقاء به لتقرِّبه من الخالق.

أمّا الماسونية فسعت من خلال منحيين أولاً باستعمال التكريس كأداة لتوعية الوجدان والقوى الداخلية. إن كان من خلال التكريس الأول عند التقاء الإنسان مع الأسرار الماسونية أو من خلال التدرج والإنتقال من درجة الى أخرى. وفي المنحى الثاني سعت من خلال ثنائية، أولاها الأعمال الهندسية التي تصقل الفكر والعقل وتضع المكرس أمام مسائل وجدانية ترفع تعامله مع العقل من الأكاديمية الصرفة الى الوجدانية الحقيقية، ثانياً بإيجاد معمل (مختبر) بشري مفتوح للتفاعل بعد العمل المحفلي بالإجتماع حول مأكل ومشرب، فيتمازج العقلي مع النفسي مع الخلقي. وتكون هكذا قد جمعت أضلاع المثلث بنقاط إرتكاز ثلاثية ومخبرية.

 

أهل من إنتسب الى محفل يتحلّى بالشخصية الماسونية و ماذا عن كل من يدّعي الإنتماء الى الماسونية!؟..

 

من هو الماسوني؟

ما هي الشخصية الماسونية؟

ومن هم المدّعين الماسونية وينتحلوا هذه الصفة؟

هل هناك شخصيات ماسونية خارج إطار المحافل؟

 

من هو الماسوني؟

 

كل من إدّعى الإنتماء الى تجمّع إنساني (بالمطلق) له حقوق وعليه واجبات.

نفرّق في الإنخراط الماسوني ما بين الواجبات الماسونية والإلتزامات القانونية.

فدفع الرسوم السنوية هو من الإلتزامات القانونية، حضور عدد من الجلسات هو من الإلتزامات القانونية. أمّا الواجبات الماسونية فهي وبالإضافة الى الإلتزامات القانونية التزامات معنوية داخلية تتأطّر ضمن المنهج والدستور الماسوني.

 

أمّا الحقوق فلم يكن لها ذكر قبل الثورة التنويرية، فبإعلان شرعة حقوق الإنسان والمواطن أصبح في القانون مسند لحقوق الإنسان. في القديم كان الفرد إبن الكنيسة، أو فرد من أفراد المَلِك ولم يكن له حقوق بل واجبات تجاه مواليه. أمّا بعد شرعة حقوق الإنسان أصبح الفرد مستقل ضمن العائلة الإنسانية وهذا ما دعت اليه وحملت عليه الماسونية والمفكرين الأحرار مذ تكويناتهم الأولى قبل هذه الفترة بمديد من الوقت.

مصدر الحقوق والتقنين لم يعد شرعة دينية تدّعي إمتلاك الفرد والتحكّم بمصيره لما هو خيره الأخروي، أو مَلِك يدّعي إمتلاكه لما فيه خيره الأرضي. بل مجموعة من المبادئ والقوانين متأتية من تأملات وتفكرات فلسفية وحقوقية و وجدانية مراعية طبيعة الإنسان وخصوصيته.

تصبح عندها الواجبات نتيجة إختيار فردي وليس إكراه سلطوي.

ورد في الفقرة الرابعة من شرعة حقوق المواطن والإنسان: “الحرية هي أن تقوم بما لا يضرّ بالآخر…” هذه الفقرة تتضمّن ثلاثة مفاعيل. الحرية، القانون الذي سيُأطّر لهذه الحرية والواجب تجاه هذا القانون. هكذا نستطيع أن نضع هذه المبادئ بالتوازي مع الشعار الماسوني: “حرية، مساواة، إخاء”.

 

الحرية بالتوازي مع القانون، المساواة مع مبدأ تطبيق القانون والإخاء مع الواجبات تجاه القانون. فتكون الماسونية قد سبقت ومهّدت لإرساء شرعة حقوق الإنسان والمواطن لوجودها تاريخياً قبل هذا الإعلان، وكما نعرف السابق يفيد اللاّحق.

قال المتصوف الهندي غاندي في هذا “الواجب هو أهم مصدر للقانون”. الذي يجتمع مع الفكر الماسوني الذي يقدم الواجب على القانون الحرفي.

 

كيف عملت الماسونية للارتقاء بالفرد.

 

الطريقة الأولى: التكريس.

يسأل الماسوني نفسه أسئلة عدّة ومنها عند الإقتراب من باب المحفل (يسمّي البعض المحفل هيكل نسبة الى هيكل الإنسانية الشامل)، أسئلة ثلاث وهي:

– واجب الإنسان تجاه الإنسانية.

– واجب الإنسان تجاه عائلته وأقرانه المحيطين به مباشرة.

– واجب الإنسان تجاه نفسه.

هذه الأسئلة الثلاثة تلخّص تطوّر شرعة حقوق الإنسان وتلفظ القانون السلطوي المرتكز على العامودية الفوقية الذي لا يعتبر الإنسان بحسب إنسانيته وتطوّره، بعدم الأخذ بموجبات كينونته.

 

بعدها وفي المراحل التالية يلتزم الماسوني بواجبات ومنها:

  • الإلتزام بالمبادئ الفكرية لمكوِّننا.
  • إحترام السرّ الماسوني.
  • المثابرة.
  • إحترام قوانين محفله.
  • التكتّم على مجريات العمل الماسوني.
  • إعانة ومساعدة الإخوة على أن لا تتعارض والمصالح الإنسانية والوطنية.
  • الودّ.
  • الإنخراط الكامل في سبيل التقدّم مع الآخرين.
  • الإلتزام بمبادئ الصدق والشرف والعمل.

10-العمل في سبيل تقدم مجتمعنا.

 

يعمد المبتدء بالعمل على حجره الخام ( يستعمل في بعض الأحيان كلمة حجر غشيم) لتشذيبه وصقله مستعيناً بأدوات ومنها الصمت الذي يعلِّم الإنسان السمع والتحليل والفهم. نستطيع أن نقول أنّ هذه الأداة هي من أهم الأدوات الماسونية التي تساعد على كبح الفورات والثورات الداخلية. التي تساعد المرء على التعقّل عند مواجهة الصعوبات والمشاكسات والإضطهاد. وفي هذا الصمت يطوّر الانسان حواسه الصامتة من نظر وشم وملمس وسمع، عندها تتبيّن له نفسه تحت مجهر آخر.

ينظر الى العامودين على باب المحفل ويرى أنه بالرغم من إرتفاعهما يبقيان راسخان على الأرض وإلّا لما ثبتا. فيحدّ هذا من شطحه في العلاء وفي الخيال وفي الماورائيات الخ…

يتعلّم الحذر، كم وكم من مرة أردنا الإنفعال وبعد تدخّل أخّ بإعتدال ولطف، تغيّر منظار واقعنا وحمدنا أنفسنا على التأني بالرد والمداخلة.

هكذا نتعلم العمل في المحفل بتواضع ونشارك في تحقيق التوازن الكوني.

هكذا نتعلم تجاوز العمل الفردي الى العمل الجماعي. الخ…

كل هذا يصقل وينحت الشخصية الطبيعية الى شخصية ماسونية مرموقة. إن حفل التكريس الأول وإمضاء سنة بصمت ما بين أعمدة المحل يكفل ويضمن التغيير الجذري في الشخصية وتشذِّبُها من موروثاتها القديمة.

بحسب قانون أندرسون “المحفل مكان حيث يعمل البنائين الأحرار”. بعد أن يمضي الوقت اللازم بين الأعمدة عاملاً على نفسه ينتقل الماسوني الى العمل لإثراء عائلته الماسونية كما الآخرين، ملتزماً هكذا بواجباته الإختيارية في بناء مجتمع أفضل وإرساء الإنتظام الكوني.

اذا ما توقف الماسوني عند حدود الصمت يُحْكَم عليه بالإنكفاء والإندثار. والشكر كل الشكر للأخوة اللذين لا يكلّون ليل نهار عاملين جاهدين في خدمة مجتمعنا. إن كنت منهم هنّئ نفسك بأنك وصلت الى غاية تحقيق أهدافك بمشاركة الأخرين في أبحاثك وتجاربك الداخلية وإلّا تكون “كشجرة كبيرة يافعة غير نافعة لا تعطي ثمارها”  وعندها عليك أن تعيد صقل شخصيتك وتنخرط كاملاً في هذه المسيرة الكونية العامة والشاملة.

يقول عالم الفيزياء انشتاين:” العالم خطر ليس بسبب من يقوم بالسوء بل بسبب القادر الناظر والذي لا يصنع شيئاً“. ( سنرى في الأسفل أن الأمير عبد القادر ردّد هذا القول عندما كتب الى أصدقائه في فرنسا أبّان فتنة جبل لبنان سنة 1860).

 

بعض الشخصيات الماسونية.

نابليون، مانيان وفينيه

 

انتهت ولاية الأستاذ الأعظم للشرق الاكبر الفرنسي الأمير لوسيان مورا في سنة 1861. وبأمر من الأمبراطور نابليون الثالث عين في 11 كانون الثاني (يناير) من سنة 1862 الماريشال مانيان (Magnan) أستاذ أعظم للشرق الأكبر الفرنسي. لم يكن مانيان ماسوني كما أنه لم يكن له أي معرفة بالطرق الرمزية، وتلقّى الدرجات الثلاثين في يوم واحد خلافاً للدستور والأعراف الماسونية. بغية وضع نابليون يده من خلاله على المحافل الماسونية، هذه من مفاعيل تدخل السياسة في المحافل الماسونية. إقراء في الموقع رأي الماسونية في رجال السياسية “الماسوينة ورجالات السياسة”.

ولد برنار بيار مانيان في مدينة ديجون سنة 1791 وتطوّع في الجيش الفرنسي في سنة 1809 في سن ال18. إشترك في الحملة على الجزائر. صعد المرتبات العسكرية لتمتّعه بنزعة وصولية حتى عين قائد الجيس الباريسي من سنة 1851 حتى سنة 1858. شارك في الإنقلاب في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) من سنة 1851 وعند إعادة الأمبراطورية في سنة 1853 عيّن ماريشال فرنسا ودخل مجلس الشيوخ.

في الأول من شباط (فبراير) من سنة 1862 إستلم رئاسة الشرق الأكبر وأعلن أن في فرنسا عدّة طقوس وأنّه سيوحّدها تحت سلطة وطقس واحد، الطقس الفرنسي.

عارضه صاحب الشوكة جان بونس فيينه (Viennet) معلناً أنّ إن كان للشرق الفرنسي سلطة على الأراضي الفرنسية فللمجلس السامي سلطة تتجاوز حدود فرنسا، فسلطته دولية ولا يخضع للأستاذ الأعظم مانييان. مع العلم أن أكثر من ستون محفل في الدرجات الأولى كانت تعمل في الطقس الإيكوسي وتحت سلطة صاحب الشوكة.

 

في أحد اللقاءات قال مانيان لفييني :”هل أنت مستعد للإعتراف بي، أنا الإستاذ الأعظم لكل الماسونية، ولا أقبل كنائس صغيرة تنكّد علي”، أجابه فيينه:”سنرى”.

ففي الأول من شباط من سنة 1862 بعد توليه منصبه وجّه مانيان رسالة الى فيينه يأمره بإدخال المحافل الإيكوسية تحت سلطة الشرق الأكبر الفرنسي، فكتب: “تسميتي تفرض عليّ واجبات تلزمني إتمامها. الأول والأهم توحيد القوى الماسونية في شعاع واحد.

من هذا المنطلق يشرّفني أن اطلب من محافلكم أن تجتمع مع محافل الشرق الأكبر لتعمل متوحدة في مركزنا في شارع كادي…”. بالرغم من “نبالة” خطابه إلاّ أنه يخبئ رغبة في السيطرة على المحافل ووضعها تحت إشراف بونابرت. لم تكن هذه أول محاولة لطمس وإسكات المحافل الإيكوسية التي تعرضت الى ضغوطات كثيرة في هذا الإتجاه. كان قد ردّ المشرع الماسوني مورير(Muraire) في سنة 1829 على ضغوطات سابقة بكتيبه “في إستقلالية الأعمال الماسونية”. رد فيينه في الثالث من شباط اي بعد يومين من تلقيه رسالة مانيان: “… بدل الردّ على دعوتكم إسمحوا لي بأن إذكّركم ما قلتم لي قبل ساعة من تكريسكم،”بأنكم تجهلون كلياً ما أوكل اليكم الإمبراطور وأنكم لا تملكون أي فكرة عن الماسونية”…، وأعلم أن نظامينا مختلفان ومستقلّان ….أهدافنا مختلفة. علاقاتنا نحن تمتدّ الى أقاسي الأرض، بينما سلطتكم وطنية. الإندماج الذي تدعوننا اليه ممتنع بحسب دستورنا. نلتزم فقط بالأخوة تجاه بعضنا البعض…، يتوجّب علينا أن نبقى كما نحن، أن نعمل بإستقلالية خارج الحماية التى وعدنا بها، الى أن تسحب منا السلطات الوطنية الحق بالعمل، عندها ليشرح لنا الأمبراطور قراره…، عندها أستقيل من وظيفتي كقطب اعظم…”

كيف لا نقدّر ونحترم هذا الأخ الماسوني الذي يتمتّع يشخصية قوية ولم يروّع ولم يخوّف ليس فقط من قائد للجيش بل من الأمبراطور نفسه، متزرع بدستوره الماسوني وبقيَمِه العُليا. هنا نفهم كل الفهم تسمية المتربع على المجلس السامي، بصاحب الشوكة.

في 23 أيار (ماي) من سنة 1962 كتب مانيان: “في المستقبل لن نقبل ونتحمل أي إجتماع للمجلس السامي”. فرد عليه فيينه برسالته الشهيرة في ال25 من أيار :” سيدي الماريشال، تستدعوني وللمرة الثالثة طالبين مني أن أعترف بكم وفي هذا الإستدعاء تحلّون المجلس السامي بحسب الطقس الإيكوسي القديم والمقبول. أعلن لكم بأنني لن ألتزم بقراركم وأعتبره غير موجود. القرار الإمبراطوري الذي سماكم أستاذ أعظم يعود الى طقس أسس في سنة 1772 ولم يضع تحت تصرفكم الطريقة الإيكوسية التي أسست سنة 1723(بما معناه قبل ان تولد ويولد أمثالك)… وليس لكم أي سلطة على المجلس السامي، إذا قرّر الأمبراطور حلّ جمعيتنا فسنذهب الى الرقود..”. بالإضافة الى هذا ذهب فيينه الى الأمبراطور نابليون الثالث قائلاً: “أنا أحمل عالياً راية الماسونية ….”، تنحى عندها نابليون من الدخول في النزاع، وأكمل المجلس السامي أعماله.

تأثّر مانيان كثيراً من هذه الحادثة والتقى فيينه، وأصبح مانيان بعدها من أكثر الماسون إلتزاماً وتمسكاً بالمبادئ العامة والأساسية. وفي عهده طوّر الدستور الماسوني للشرق الأكبر ونمت الماسونية ويفعت بشكل فاق كل التصورات، بما يزيد عن 1200 محفل جديد في فرنسا وحدها.

توفي مانيان في سنة 1868 وجُنّز في كاتدرائية نوتردام، وشكّلت جنازته مأزق وإستدعت تأديب المونسنيور داربوا(Darboy) من البابا بيوس العاشر، إذ أنه صلّى على نعشه بينما كانت تزيّنه الشارات الماسونية التي أصرّ الأخوة على تقليده إياها. (راجع الماسونية والكنيسة والفرمانات)

 

الأمير عبد القادر الجزائري

 

     ولد الأمير عبد القادر في سنة 1808 في منطقة وهران في الجزائر حيث عرف بطش وسلطة العثمانين. هو من أصل بربري من سلالة مشايخ الصوفية القادرية التي تعتمد على الغنوصية في بعض تفاسيرها. حج مع أبيه وهو في الثامنة من عمره وحفظ القرأن و سمح له بتفسيره في سن الثانية عشر.

في الخامس من تموز (يوليو) سنة 1830 دخلت الجيوش الفرنسية محتلة للجزائر. وفي 21 تشرين الثاني (نوفمبر) من سنة 1832 نُصِّب الأمير عبد القادر قائد للمقاومة في وجه الفرنسي المحتل.

بعد معارك دامت لأكثر من سبعة عشرة عاماً أفلح فيها جيش عبد القادر وفي سنة 1947 دخلت فرنسا في مفاوضات مع الأمير، وقرّر رغبة في تقليل الخسائر والضحايا بالتخلّي عن المقاومة بشرط نقله وجنوده الى الإسكندرية أو الى بلاد الشام، ذلك ولأن الأمير سلّم وهو لا يزال في أعلى قوته، لم يهزمه خصمه. والأمير نفسه في خطابه الذي ألقاه أمام جنوده ذكر التسليم لأمر الله، فعقد مع الجنرال الفرنسي لاموريسيير وإبن ملك فرنسا معاهدة، هذا نص خطاب الأمير وبعض تفاصيل الإتفاق:

“لا أرى إلا التسليم لقضاء الله تعالى والرضى به. ولقد أجهدت نفسي في الذب عن الدين والبلاد، وذلك من حين إهتز غصن شبابي، وإفتر عن شباة الهندي نابي، وأقمت على ذلك ما ينيف عن سبع عشرة سنة، أقتحم المهالك وأملأ بالجيوش الجرارة المسالك، أستحقر العدو على كثرته وأستسهل إستصعابه، وأتوغل غير خائف أوديته وشعابه، وأرتب له في طريقه الرصائد، وأنصب له فيها المكائد والمصائد، تارة أنقضّ عليه إنقضاض الجارح وأخرى أنصبّ عليه إنصباب الطير إلى المسارح. وكثيرا ما كنت أبيّـته فأفنيه، وأصبّحه فأبرد غليلي منه وأشفيه. ولا زلت في أيامي كلها أرى المنية ولا الدنية، وأشمر عن أقوى ساعد وبنان، وأقضي حق الجهاد بالمهند والسنان، إلى أن فقدت المعاضد والمساعد، وفني الطارف من أموالي والتالد، ودبت إلى بني ديني الأفاعي، واشتملت علي منهم المساعي. والآن بلغ السيل الزبى والحزام الضبنين، فسبحان من لا يكيده كائد، ولا يبيد ملكه وكل شيء بائد.(وختم خطابه بهذه الأبيات):

 

فالقلب إن يسلب القوم العـدا ملكي وتسلمني الجمـوع

بين ضلوعـه لم تسلم القلب الضلــوع

أجلي تأخر لم يكـن يهواه ذلي والخضــوع

ما سرت قط إلى القتال وكان من أملي الرجوع

شيم الأولى أنا منهـم والأصل تتبعه الفـروع’.

 

هذه الأبيات من قصيدة قالها المعتمد بن عباد حينما هوجمت إشبيليا فخرج مدافعاً عن نفسه وعن أهله، وكان وزراؤها قد أشاروا عليه بالخضوع والإستعطاف. وهي تدل على مدى إطلاع الأمير على الأدب العربي.

واتفق الجميع على أن يكون التسليم للفرنسيين بدل أن يكون للمغاربة الذين سيسلّمونهم للفرنسيين. كلّف الأمير أن يبلغ باللسان الجنرال لاموريسيير القريب موقعه من موقع الدائرة، بعزمه على التسليم. وصل الرسول إلى (مناصب كيس) فاستقبله الدائري المشهور إبن خوبه فأخبره بالأمر وسار معه في مجموعة من فرسانه إلى المعسكر الفرنسي، فبلغ الرسول الرسالة الشفاهية للجنرال الذي إهتزّ فرحاً، وبادر بأن خلع سيفه وحمل ورقة بيضاء وقّعها وختمها بختمه، وطلب من الرسول أن يسلّم السيف للأمير ويخبره بأن يضع الشروط التي يريد على الورقة البيضاء، ثم كتب الجنرال رسالة إلى ملكه قال فيها: ‘إنني في هذه اللحظة ممتطياً جوادي للذهاب لدائرة عبدالقادر، ولقد إتفقت معه بأن يذهب هو وعائلته إلى عكا أو الإسكندرية، وهذان المحلاّن هما اللذان عينهما في شروطه وصادقت عليهما، وإني ملتزم بأن أقوم بما إشترطه، وقد عملت ذلك بكمال الإعتقاد من أن جلالتكم والحكومة تصادقون عليه ما دام عبدالقادر إعتمد على قولي وخطي. ثم أرسل إلى الدوق دومال الحاكم العام يخبره بذلك فحضر في الحال على بارجة رست في مرسى جامع الغزوات، وأرسل للاموريسيير يخبره بأنه موافق على قبوله شروط عبدالقادر.

دارت محادثات الأمير والجنرال لاموريسيير في جوّ ودّي، ودامت ثلاثة أيام، وأسفرت عن إبرام إتفاقية تنص على: أن ينقل الأمير مع سائر أفراد عائلته إلى عكا أو الإسكندرية. وألّا يتعرضوا لمن يريد السفر معه من الضباط والجنود. وأن الذي يبقى في الوطن يكون آمنا على نفسه وماله، ثم سار الأمير وأتباعه من تفجيرات قاصداً المرسى الذي كان إبن الملك ينتظره فيه بصحبة الجنرال كافينياك والجنرال لاموريسيير، فإستقبل استقبالاً يليق بمقامه، وعندما مرّ في طريقه على مقام المرابط سيدي إبراهيم الذي سبق وأن حقق فيه إنتصارا على الفرنسيين قبل سنتين، وجد الكولونيل مونتبان خمسمئة فارس في إنتظاره فأستقبله بكل إحترام، ونزل الأمير من جواده وصلّى في المقام ركعتين، ثم ركب إلى مرسى الغزوات فاستقبله إبن الملك ومعه جنرالاته وعلى رأسهم لاموريسيير وقال الأمير لإبن الملك: ‘هذه الساعة التي قدّر الله تعالى أن يكون فيها ما نحن فيه الآن، وقد أخذت على الجنرال لاموريسيير عهداً وميثاقاً فلا أخشى أن ينقضه إبن ملك فرنسا’. فأجابه الدوق دومال إبن الملك بأنه موافق على إتفاق لاموريسيير معه، وقام الأمير وقدم سيفه للدوق.

وفي الغد إجتمع الدوق مع الأمير الذي قدم له جواده وهو أغلى هدية يقدّمها عربي، كما قدم له ساعته وطبنجته، وبادله الدوق فقدم له طبنجته وساعته. وقد تعجب المؤرخون الفرنسيون كيف إستطاع الأمير بجيش يتكون من 2000 فارس، و10000 من المشاة في أحسن الأحوال أن يحارب جيش دولة عظمى كفرنسا قوام جيشها بالجزائر 000 106 ولمدة ست عشرة سنة.

وجد الفرنسيون بالدائرة 21 أوروبية، وعرض الفرنسيون عليهن نقلهن لأسرهن بأوروبا، فرفضـــــت 20 منهن بسبب زواجهن من جزائريين وإنجابهن أطفالاً منهم، وقبلــــت واحدة فقط كانت كبيرة في السن وغير متزوجة أن تلتحق ببلدها إسبانيا.

وفي اليوم الثالث من وصول الأمير إلى جامع الغزوات سار بأهله ومن تبعه إلى المرسى وقد إصطـــف الناس يميـــناً وشمالاً وهم يبكون، كان الفرنسيون الحاضرون يعجـــبون كيف كان الناس بمن فيهم الجـــــنود الـــــجزائريون بالجيــــش الفرنسي يبكون ويقبـــلون برنوسه وهو مار إلى البارجة. وركب الأمير مع 97 شخص من بينهم والدته وزوجاته الثلاث ومرافقين، يوم 24/12/1847م البارجة “الأسمودي” التي وبدل أن تبحر الى بلاد الشام بحسب الإتفاق إتجهـــت إلى ميـــناء طــولون في فرنسا حيث سجن الأمير ومرافقيه .

عندما بدأت فرنسا بالتخطيط للقيام بالحملة على مصر ودخول الشرق الأوسط أرادت أن تظهر بمظهر الصديق لشعوب المنطقة فقام لويس بونابرت في 16 تشرين الاول (اوكتوبر) من سنة 1852 بالعفو عن الأمير وأرسله الى دمشق.

كتب بونابرت له:”كنتَ عدو فرنسا، لكنني لا أقلّل من شجاعتك ومن قوة إرادتك وتحملك للمحن. لذلك وإلتزاماً بشرفي سأطلق سراحك. متأكداً من أنك ستلتزم بوعدك (عدم محاربة فرنسا)”. أبحر الأمير الى تركيا ومنها الى دمشق.

إندلعت في سنة 1860 الفتنة الطائفية في جبل لبنان وإمتدّت الى سوريا. فكتب الى أصدقاء له في فرنسا:” هناك فتنة كبيرة ما بين الدروز والموارنة، القتل يعمّ البلدات والشوارع…”، “…. إذا كان أحد يرى الشرّ عليه أن يتدخل لإيقافه، وفي أقل الإلتزامات إنكاره، وفي أدنى الإحتمالات شجبه ولو في قلبه…”. تدخل الأمير عبد القادر وأوقف المجازر وعمل على أن لا تمتد الفتنة الى سوريا وكان له الفضل الكبير في خمد الفتنة في سوريا وفي نجاة المسيحيين فيها.

 

في 20 ايلول (سبتمبر) من سنة 1860 كتب رئيس محفل “هنري 4” الى الأستاذ الأعظم في شرق فرنسا قائلاً: “أعمال الأمير من الأعمال السامية الماسونية” وطلب عرض التكريس عليه. بعد موافقة الأستاذ الأعظم كتب رئيس محفل “هنري 4″ :”الى الأمير السامي عبد القادر”،”.. الماسونية التي تؤمن بالله، ومن مبادئها حب الإنسانية، وأن تعلو التسامح والإخوة العالمية. لا تستطيع أن ترى دون الكثير من التأثر المشهد المتعالي الذي أبديتموه وأظهرتموه. وتعتبركم أحد أبنائها الذين دون تفخيم ولا تعظيم يطبقون وبتواضع مبادئها”،” إن قبلتم دعوتنا وعندما تتلقونها وأنتم هناك في الشرق البعيد، إعرِف أن هنا إخوة تنبض قلوبهم لكم ويعلون إسمكم. هنا إخوة يحبونكم وكواحد منهم ويفتخرون إذا توطدت عرى أوثق بيننا، ويتمنون أن تكونوا واحداً منهم..”

بعد أن أجاب الأمير بالقبول أُرسِل له طلب ليكمِّله، وطلب منه أن يعبر عن إيمانه بخلود النفس وتساوي الجنس البشري وعن طريقة محاربة الشر. أجاب الأمير بمرافعة لا تصدر إلاً من قلب طاهر شريف يؤمن بالإنسانية ويعلو قِيمها. ملف الامير الماسوني له تأثير كبير ويتضمن عبر كثيرة بقيت راسخة في نفوس الإخوة الأحرار الى يومنا هذا.

طلب المحفل”هنري4″ من محفل “الأهرام” بالإسكندرية بالعمل لأجله وكلّفه بالتكريس. وفي 18 حزيران (يونيو) من سنة 1864 الساعة التاسعة مساء، قام محفل “سان جان” في شرق الإسكندرية بتكريس الأمير عبد القادر. إبتدأ رئيس المحفل الجلسة بقوله:” ليس بماسوني من يقول بأنه ماسوني، إنّما الذي يحوّل داخله الى هيكل… الذي يضع نصب عينيه الإحسان والمستعد لإعطاء خبزه ويهرق دمه في سبيل إخوته، أنتم أخ ماسوني ومنذ زمن بعيد”. في سنة 1865 زار فرنسا. إثنين من أولاده كرّسوا في سنة 1867 في بيروت في محفل” شرق فلسطين”.  توفي الأمير عبد القادر في دمشق حيث دفن عن عمر ناهز ال70 سنة.

 

نحن أمام شخصيتين ماسونيتين مختلفتين في طريقة الإنخراط في الماسونية. دخل مانيان الماسونية لغاية خفيّة في قلبه. إلا أن صدق وإخلاص المسؤولين آنذاك عملت على صقله بالمَثَل والإلتزام بالمبادئ والأسس الماسونية. ونرى الأمير عبد القادر السني، القادري والمجاهد الملتزم بدينه الى اقصى الحدود، يلتقى مع مبادئ الماسونية عندما تصرّف وعمل بحسب صدق معتقده وكمال إنسانيته.

 

هذان مثلان يعلوان ويبرزان الأصول الماسونية العالمية بأدائها والكونية بجمعها. هذه الماسونية التي وكالبحر تستوعب الشاذ وتبلوره وتكرم الكريم وتكرّسه.

 

هناك أمثلة كثيرة تظهر عظمة وكِبَر الشخصيات الماسونية الصحيحة الملتزمة بأصولها ومبادئها.

 

من الحكم الماسونية: “اسمع صوت إخوتك في الإنسانية”.

 

الإمير عبد القادر الجزائريالإمير عبد القادر الجزائري