الشرّ والخير

هذه المقالة تمزج ما بين الفلسفة المعروفة وعلم النفس والنظرة العرفانية.

إن مبدأ الخير والشرّ هو من أكبر المبادىء المؤثرة في الفكر البشري. فمنذ القديم فرق البشر ما بين الخير والشرّ، واختلفوا في مصدرهما. فكان المعتقد الأساسي بأنّ الإنسان ضعيف وبأن هناك قوى أكبر منه، من هذه القوى ما يسيّر الرياح ويزلزل الأرض الى جميع المؤثرات الطبيعية عامة. فمنها ما هو خيّر للإنسان كالشتاء المعتدل والهواء العليل ومنها ما هو مضرّ وقاتل كالزلازل والبراكين وغيرها.

نُسِب الخير الى قوّة عليا سمّية بالله. وتساءل البشر عن مصدر القوى الأخرى الغير خيّرة للبشر فالتبست الأمور ونعتت بأنها قوى سفلية سمية بشيطانية لإبتعادها عن القوى الخيّرة. فيما بين هاتين القوتين أو السلطتين هناك قوى متوسطة عرفت بأنصاف الألهة.

أدى هذا المنهج الى الخلوص بأنّ الإنسان مكوّن من قسمين، قسم مادي خارجي يخضع للزمان والمكان، وقسم داخلي من مصدر إلهي أبدي أزلي يتوق الى العودة الى مصدره الأول.

هذه الثنائية أثّرت في الفكر عامتاً من الفلسفة الإغريقية الى الفلسفة الوجودية.

هذا المحرك هو أساس الديانات الغنوصية والديانات المعروفة.

لم يسلم من هذا التفكير العلم الحديث فعلم النفس كما فسّره يونغ اعتمد هذه الثنائية ولكن مفسراً إيّاها على أنها قوى خارجية وباطنية.

المقطع الذي يلي هو بلغة علم نفسي غنوصي، لمن لا يعهد هذا الأسلوب يستطيع تجاوزه.

=====

 

 

 

علم النفس

مَن نحن؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتضمّن تعليلاً  لطبيعة النفس psukhē؛ ومحاولةُ تقديم إجابة عن هذا السؤال قد سُمِّيَتْ “علم النفس” أو ممارسته (psukhē، في اللغة اليونانية القديمة، كانت تدل في آنٍ معًا على النفس، كمبدأ الحياة، وعلى الذهن، كمبدأ العقل).

لقد ميَّز كارل يونغ – اعتمادًا على الترسيمات الغنوصية الأسطورية – الوعي الموجَّه موضوعيًّا بالجزء المادي أو “الجسدي” من الجنس البشري – أي، بحسب الغنوصيين، ذلك الجزء من الإنسان المشدودَ إلى الدورة الكونية للكون والفساد والخاضع لقيود الجَبْر والزمن (راجع: كتاب يوحنا الغنوصي [سِفْر المخطوطات 2] 28: 30). إن الإنسان الذي يتماهى مع العالم الموجود موضوعيّاً يؤوْل إلى بناء شخصية أو حسٍّ بـ”ذات”، فيكون، من حيث الأساس، متكلاً كليّاً على البُنى المتغيِّرة أبدًا للوجود الزمني. وما ينجم عن ذلك من انعدام أيِّ حسٍّ بالديمومة وبالاستقلالية يؤدي بمثل هذا الفرد إلى إختبار القلق بأنواعه كافة، وفي المآل، إلى الإنصراف عن النماذج الغيبية  ذات المغزى الجمعي للوجود الإنساني لصالح الإنكفاء على سياق ذاتي شخصي وخانق، تستهلك الحياةُ نفسَها في إطاره دون الرجوع إلى أيِّ مخطّط أو نظام أوسع.

غير أن هذه ليست هي النهاية الطبيعية للبشر.

إذ وفقًا ليونغ (وللغنوصيين)، ليست الذات المبنية زمنيًّا هي الذات الحقيقية: الذات الحقيقية das Selbst هي الوعي الأسمى الموجود والمتواصل فيما يتعدى كلَّ زمان ومكان الذي أطلق عليه يونغ اسم الوعي المحض أو الذات، في تمييز قاطع له عن “وعي الأنيَّة”، الذي هو الصورة المبنية والمحافَظ عليها زمنيًّا للوجود المنفصل (راجع: ك.غ. يونغ، “الرموز الغنوصية للذات”، في يونغ الغنوصي، 1992، ص 55-92).

وهذا الشكل الأخير للوعي “الدنيوي” طابَق الغنوصيون بينه وبين النفس psukhē، بينما طابَقوا بين الذات أو الوعي المحض وبين الروح pneuma – بمعنى العقل المنعتق من سياقه وقيوده الزمنية.

ولقد كان لهذا التمييز دورٌ هام في الفكر الغنوصي؛ وقد أخذ به بولس، بصفةٍ أخص في مذهبه في القيامة الروحية (الرسالة الأولى إلى الكورنثيين 15: 44). والأساس النفساني أو التجريبي لهذا الرأي، هو الإقرار بعجز العقل البشري عن تحقيق مساعيه العظمى مادام خاضعًا للقانون وللنظام الصارم لكون لامبالٍ ومتعالٍ. إن التمييز بين الروح والنفس يعيِّن بداية موقف مُسْتَعْلٍ ومخلِّصي تجاه الكون والوجود الزمني بصفة عامة.

الوجودية

تتضمّن الخبرة الأساسية للوجود التي وصفتْها الفلسفةُ التي تُعْرَف الآن بـ”الوجودية” شعوراً عامّاً بالعزلة والهَجْر Geworfenheit، أي “الإنقذاف” في/إلى عالم لا ينصاع لرغبات الإنسان الأصلية (راجع: جوناس، ص 336). إن الإعتراف بأن رغبة الإنسان الأولى أو الأولية هي في تحقيق أو ترسيخ ذات أو “أنا” يؤدي إلى إدراكٍ مزعج بأن العالم ليس متجانساً مع الكائن البشري؛ إذ أن هذا العالم (على ما يبدو) يتبّع مسلكه الخاص – المسلك المخطَّط له والمحرَّك مسبقًا قبل مجيء الوعي البشري بوقت طويل. لا بل إن النشاط الأساسي للإنسان – أي تحقيق ذات مستقلة ضمن العالم – يُنفَّذ على تضادٍّ مع سلطان أو “إرادة” (قوة الطبيعة) يبدو وكأنها تُحبِطُ هذا المسعى الإنساني بامتياز أو تُفسِده على الدوام، بما يقود إلى الإقرار بوجود قدرة مضادة للإنسان، وبالتالي مضادة للعقل؛ وهذه القدرة، بما أنها فاعلة على ما يبدو، موجودة حتمًا. غير أن حقيقة أن فعل تلك القدرة لا يتجلَّى كاتصال بين الإنسانية والطبيعة (أو الموضوعية المحضة)، بل بالحري كسيرورة ميكانيكية للضرورة العمياء، في معزل عن المسعى البشري، تضع الكائن الإنساني في مقام أعلى. إذ على الرغم من أن قوة الطبيعة قد تمحق موجودًا فرديًّا بشريًّا ما محقاً اعتباطياً بالسهولة ذاتها التي توجِده بها، فإن هذه القوة الطبيعية ليست واعية بنشاطها. أما العقل البشري، فهو على العكس، واعٍ بما يفعل. وبهذا تحدث فجوةٌ أو صَدْع – كنتاج للانعكاس – قد يتمكَّن الإنسانُ من خلاله أن يوجِّه نفسه، لبرهة وجيزة، مع ونحو العالم الذي يوجد فيه ويستمر. وقد وصف مارتن هيدغِّر تلك البرهة الوجيزة من التوجُّه مع العالم وفيه (نحوه) بوصفها “رعاية” Sorge، هي دومًا رعاية واهتمام بـ”اللحظة” Augenblick التي يحدث فيها كلُّ وجود. وهذه “الرعاية” [“الإنسان هو راعي الوجود”] تُفهَم بوصفها نتاجًا لإقرار الإنسانية بحتمية كينونتها نحو الموت. لكن هذا التوجُّه لا يكتمل أبدًا، من حيث إن النفس البشرية تكتشف أنها لا تستطيع تحقيق غايتها أو تحقُّقها التام ضمن الحدود التي وضعتْها الطبيعة.

وفي حين أن الضرورة المقيِّدة للطبيعة هي حقيقة بسيطة غير قابلة للشكِّ في نَظَر الوجودي، فإنها، عند الغنوصيين، نتاجٌ لمخطَّطات خبيثة من وَضْع إله أدنى، هو الديميورغوس (انصاف الهة)، تمَّ تنفيذُها عبر قانون هذا الإله الجاهل وبه.

بعبارة أخرى، فإن الطبيعة، في نَظَر الوجودية الحديثة، لامبالية فقط، في حين أنها كانت عند الغنوصيين معادية بالفعل للمسعى الإنساني: “إن القانون الكوني، الذي كان معبودًا ذات مرة كتعبير عن عقل يمكن لعقل الإنسان أن يتواصل معه في فعل التعرُّف، لا يُرى في حالتنا هذه إلا في مظهره القسري الذي يُجهِض حرية الإنسان.” (جوناس، ص 328). وبذلك يؤول الزمن والتاريخ إلى فهمهما كمنشأ للعقل البشري على الضدِّ من مفاهيم مثالية عبثية من نحو القانون nomos والنظام cosmos. المعرفة، من هذا المنطلق، تصبح مهمة مخلِّصة للنفس يكلَّف بها الجنسُ البشري.

والذات، إذ تعي نفسها، تكتشف كذلك أنها ليست ملكاً لنفسها حقّاً، بل هي بالحري أشبه ما تكون بالمنفِّذ اللاإرادي لمخطَّطات كونية. والمعرفة (الغنوص) قد تحرِّر الإنسان من هذه العبودية. ولكن، بما أن الكوسموس معاكِس للحياة وللروح، فإن المعرفة المُنجِيَة لا يمكن لها أن تهدف إلى الإندماج في الكلِّ الكوني وإلى الإنصياع لقوانينه: “فعند الغنوصيين […] لا بدَّ لغربة الإنسان عن العالم من أن تُعمَّق وتتسنَّم ذروتَها من أجل استخلاص الذات الباطنة التي لا يمكن لها أن تفوز بنفسها إلا على هذا النحو.” (جوناس، ص 329)

إذ ذاك يصير السؤال البيِّن “من أين جئنا؟” أكثر معقولية في محاذاة وضمن السؤال الأكثر دينامية “إلى أين نمضي؟”

=====

 

في الحديث.

مع تقدم العلم وفهم انماط تكوين الأجرام السماوية من نجوم وغيرها الى فهم تطوّر الأرض وما عليها دخل الفهم في مفهوم متكامل يعتمد على التطوّر والتغيير الدوري، متعارضاً مع كونٍ جامد غير متحرّك منقسم الى قسم خيّر سماوي روحاني وقسم مادي أرضي فاني.

يتلاقى هذا الفكر مع الفكر الغنوصي الغير ديني. كما نجده في البوذية التجاوزية غير المتحركة دينياً. وفي الفلسفة الحديثة النسبية التي تمتلك جذور قديمة إنّما تألقت في الحديث. نفس هذه النزعة تجد براعم لها عند لاوتسو في التاو.

 

كيف نفهم النسبية.

النسبية هي حالة فكرية ترى الكون بمنظار يتجاوز الأحادية. ففي النظرة الأحادية يرى الإنسان ما وبما هو عليه. فعند حدوث أمر مرغوب أو غير مرغوب نقيّمه بإحداثياته الفردية الضيقة. كما في حال وقوع حدث مؤلم من حادث سير أو الإصابة بمرض أو التأثّر بتحولات مناخية من أعاصير أو زلازل أو براكين أو غيرها. فكلّ هذه تؤدي الى ضرر مكاني محدّد بأشخاص وتكون بالنسبة لهم ضرّر.

فلو انتقلنا الى النظرة الثنائية الشاملة، لما كان هذا الموضوع ضرر محض. إذ أن المريض بمرضه يؤمّن عمل للحكيم الذي هو مصدر رزقه وللصيدلي مقدّم الأدوية ولسيارة الإسعاف ولسائقها، كما لشركة السياراة التي باعت العربة ولمحطة البنزين التي تؤمن الوقود وللميكانيكي الذي يؤمّن له عمله ومصدر رزقه وعيشه. فالعمل الذي يعتبر سيئ على المستوى الفردي يصبح مؤمِّن للخير لعدد كبير. فمن المنظار الشامل لا نستطيع أن نقول أن هناك عمل شرير وعمل سيئ بالمطلق بل عوامل ومؤثرات متجانسة ومتكاملة. حتى ولو أدّى المرض الى وفاة هناك كثرة أيضاً تستفيد من هذا الموت، إن كان من البشر أم من المخلوقات الصغيرة. نرى هذا على جميع مستويات الطبيعة. فإفتراس أسد لظبية ينهي حياة هذه ويؤمّن الحياة للأسد، وليس للأسد فقط بل لكوكبة من الحيوانات من الخنافس الى الضباع والطيور الكاسرة.

من هذا المنطلق ومن تطبيقه على أمور وعوامل أخرى، نخرج من مسمّيات الشرّ المطلق والخير المطلق وتصبح الأمور نسبية. هذه النظرة في تضاد مع النظرة الثنائية التي تعتقد بالخير المطلق والشرّ المطلق. النظرة الأولى تنتج فكر سامي متساوي يدخل في فهم مدارات الكون. أمّا الثانية فتنتج أديان ثنائية المبدأ تؤمن بالخير المطلق والشر المطلق ومشخّصة إحداها بإله سماوي والآخر بساقط جهنّمي. أنظر الى النظرة الكونية في الموقع.

 

الماسونية.

تتميّز الماسونية بأنها ومنذ نشأتها استوعبت بشكل ظاهري وباطني هذا التمايز بإعتباره نوعاً من الغناء الوجداني. فلم تفرّق ما بين الأديان والفلسفات، باعتبار إحداها أعلى وأغلى من غيرها. ولا بين البشر باختلاف مشاربهم وأعراقهم. كما اعتقدت جازمة بأن الإنسان يتطوّر ولا يوجد شرّ مطلق ولا خير مطلق وأن الأمور تؤول الى النسبية. وبأنّ كل فرد من البشرية إن امنّا له الظروف والأطر لأعطى ما يعطيه غيره متمكناً من ذات القدرات وأنّه لا يخضع لقدر قاهر بالفهم. وقدّمت بأنّ هذا لا يتعارض مع وجود خالق عادل ومنصف الذي لن يفرّق ما بين البشرية إعتباطياً لإرتباطها بأصول عرقية ومن خلالها الى دينية. هي تؤمن بأن مهندس هذا الكون عادل ويترك للبشرية بالأخذ بالأسباب. واعتمدت هكذا النظرة النسبية الوسطية التي تعطي لكلّ حقه بحسب جهده وسعيه.

الهبات المجانيّة والقدر المحتّم يخرج عن مفهومها العادل والمنصف لمهندس هذا الكون. ولو سمّي عند بعض الشعوب بإله، وتاو، وكريشنا، وديوس، الخ… هذه المسمّيات لا تعبّر عن الجوهر إلّا إذا كان كاملاً متكاملاً عادلاً منصفاً لجميع الخلائق دون إستثناء، لا يفرّق بين عربي وأعجمي ولا أسود ولا أبيض إلّا بالجهد والأخذ بالأسباب. وإلاّ كان إله لفئة دون أخرى فتسقط عنه صفة الألوهية الجامعة الكونية. تنسب أكثر الأديان البشرية لآدم، فجميع الخلائق تصبح اذاً من أبنائه.

 

الرسم الذي يمثّل عند الآسيويين الين والين (Yin Yan) هو محاكات لإمتزاج القوى المدعوة خير وشرّ، سوداء وبيضاء الخ…

تتداخل هذه العوامل فيما بينها بشكل متجانس لإضفاء استقرار هرمسي.

قصة هيندل (Heindel R+C) وأصدقائه:

بعد شرح درس في الفلسفة النسبية على الأسس الهرمسية وبينما كان يتمشى هيندل وتلامذته، اذا بهم يمرّون بجانب جيفة لحمارة كان قد مرّ بعض الوقت على وفاتها. وكان منظرها ورائحتها من البشاعة والنفور الذي لا يحتمل، بعد أن انفتحت أحشائها وخرج ما في باطنها وانتشرت عليها الحشرات وغيرها… سأل أحد أصحاب هيندل أستاذه: أين الحسن في هذه الجيفة؟ فنظر إليها هيندل وقال: انظروا الى بياض ونصاعة أسنانها!… واكملوا نزهتهم…