المثال الأعلى

مقدّمة.

يقسّم أهل العرفان الناس من جهة المعرفة والإدراك وليس المساواة الى طبقات. أولاها العوام والخواص.

العوام هم أغلبية عامة الشعب الذين لا يملكون زمام حياتهم، يتّبع عامة هؤلاء قواعد حقيقية أم خيالية تؤطّر للمجتمع الذي يعيشون ويتطوّرون فيه.

غالباً ما يتّبع هؤلاء الدّين السائد أو يأخذون مثالهم الأعلى شخصيات خيالية أو حقيقية أضيف إليها الكثير من الصفات التي تحوّلها الى مصاف الآلهة أو أنصاف الآلهة.

هذه الظاهرة مثبّتت تاريخياً وجغرافياً على امتداد الكرة الأرضية. لم ينجو من هذه السلاسل إلا مجموعات قليلة، آمنت بالفكر الحرّ وبإدارة مسارات الحياة بنفسها على ما يناسب مكانتها وتطوّرها.

وجد هكذا وعلى مداد العصور أناس تميّزوا عن أقرانهم بتحرّرهم من الأطر العامة الكلية، وبأخذهم ما ناسبهم من أطر مجتمعهم وطوروا هذه القواعد بطرق وصِفَت تارة بالتحرّرية وأخرى بالكفر بالنظام العام. بيتاغورس، سقراط، أخوان الصفا، أهل العرفان، جوردانو برونو وغيرهم، نُعِتوا ووُصفوا بأغلظ الألفاظ لأنهم خرجوا عن الأطر السائدة وتمكّنوا من حياتهم بكلية فكريّة. البناؤون الأحرار كان لهم و لم يزل نصيب من هذه الإفتراءات.

 

المثال الأعلى.

المثال الأعلى الذي تقتدي به الشعوب كما ذكر هو خيالي أم حسّي ركب عليه كل ما يتمنّاه المرء ويعتبره مثال أعلى، فهو مرجع لإقتداء به أو للوصول الى مراتبه. دراسة هذه المُثُل ضرورية لفهم المجتمعات وتطوّرها والحالة النفسية للشعوب. دراسة هذه المثل تعطي صورة عن الهوية التي تتمسّك بها المجتمعات.

المثل العليا تختص بفترة زمنية محددة وتطوّرها يُفهِم تطوّر المجتمع الذي يتّبع ويعتنق هذه المثل.

 

الهوية.

لتأكيد وجوده كعنصر قائم يحتاج الإنسان الى هوية. الهوية تكون فردية شخصية لوصف مفهوم الشخص وفرادته ضمن مجموعة كما أنه يمتلك هوية جماعية تربطه بالمكوّنات التي تحيط به من ثقافية أو وطنية أو دينية. يتداخل في هذه الهوية الجماعية المفهوم العرقي والديني بطريقة غير خيارية. إذ أن الفرد لا يختار مكان ولادته والبيئة التي يترعرع فيها. بمجرّد ولادته ببقعة تقاليد، دين و من خلاله مُثل عليا تدخل في تكوين شخصيته وهويته الفردية والجماعية.

تصبح هذه المثل والمكوّنات بالنسبة له المرجع الذي وبحكم حبّه للحياة وللتميّز مميزةً له بذاتها. ويصبح الدفاع عنها واجب للحفاظ على الكينونة. يكون هذا الواجب عائلي، قبلي، وطني، لغوي، فلسفي وديني.

هذه الهويّات المفروضة على الفرد من الأرض يرث مباشرة عائلة، لغة، عادات ،

كانت ولا تزال السبب الرئيسي في الصراعات والحروب والمنازعات بين البشر.

لا يوجد بالمعيار الكوني هوية تعلو على هوية أخرى، التعلّق بالهوية نسبي وهي خاصة لشخص بذاته.

 

المثال الأعلى في القديم.

ظهر في تاريخ الشعوب القديمة قصص متناقلة شفهياً أو كتبها من تقدّم أدبياً، تعطي للمرء  توصيف للكون الذي يعيش فيه. هناك أسئلة فطرية يطرحها المرء عندما يتفرّغ من هموم مأكله ومشربه، عن أسباب وجوده على الأرض وكيفية الخلق وماهية الغاية من وجوده. كما أن هناك ضرورات حياتية تتمثّل بوحدة المجتمع وتلاحمه لصدّ الإعتداءات التي تقع على المجموعة من أغراب غازين أو طامعين.

من هنا نجد في الأغلب عند عامة الشعوب أساطير وقصص غايتها توضيح هذه الأمور وإعطاء الصلابة المطلوبة لتأمين إستمرارية المجتمع والإنسان. كما يسعى الحيوان من خلال إنتقاء الإناث للذكر الأقوى لتأمين إستمرارية الذريّة بشكل أفضل وأسلم، كذلك سعى الإنسان لإستمرارية مجتمعه ونسله من خلال وضع قوانين شكّلها بأسلوب بمتناول الجميع وتتناسب وأهدافه المبيِّنة لحاجة وغاية الحياة والحامية لمجتمعه. فوضع الإنسان قواعد لحماية المجتمع فحمى العائلة وركز على التلاحم بين أبنائه متذرعاً بالقبيلة والعنصر والعرق ومن مثّلها من ملوك وممالك.

هذا السعي كان منغلقاً ومعتبراً كل ما خالف معادٍ، فوجب قتاله وإبادته. من تفكّر بتاريخ الشعوب الى ما قبل الحركة الإنسانية الحديثة لم يجد إلاّ حروب وتقاتل وإفتراق على هذه الأسس.

من هنا المثل الأعلى الذي اتخذته هذه الشعوب لم يكن كوني بالمعنى الحقيقي، هي وبمنظارها رأته سامي. أمّا من المنظار والنظرة الكونية فهو محدود جغرافياً وزمنياً.

دراسة المثل العليا للبشرية تعطي المرء رؤية كونية تحرّره من الإصطفافات الأنية زمنياً وجغرافياً.

كيف رأى الأقدمون المُثُل التي تمحورت حولها حياتهم؟

من ينكبّ على أساطير الشعوب القديمة يجدها تتقارب في الأهداف الأساسية ومنها:

  • قصة الخلق وغايته.
  • الظواهر الطبيعية وتفسيرها.
  • مكانة الإنسان وعلاقته مع من ينسب اليه الخلق.
  • مكانته وطريقة تعامله مع الطبيعة ومع الآخرين من الجنس الثاني أو المجموعات الأخرى.
  • نشأة وتطوّر المجتمع البشري وعلاقته بالمجتمعات الأخرى. عامتاً تركز على الفرادة والأفضلية.
  • التراتبية والتنظيم الداخلي للمجتمع، الأصل في توازن وإستمرارية المجموعة.

يتأتّى من هذه المقاربات تجسيد للقوى الخفيّة من إجتماعية وفكرية بشخص تتواجد فيه الصفات والميزات الخاصة التي تؤمن غاية القصة والرواية. هو البطل المثال الأعلى إجمالا ما تنسب اليه الألوهية والذي تتجسّد فيه الآمال والذي يتحوّل الى رمز يُتشَبَّه به، ويصبح غاية ومن أسباب الوجود لأنها تؤمّن الوصول الى مرتبته العليا. هذه المرتبة تعطي القيمة الإجتماعية وتريح وتطمئن الوجدان لغايات وجوده ومبتغى خلقه.

 

في القديم.

نعرف عن اوليس (Ulysse) في الاوديسي (Odyssée) التي كتبها هوميروس (Homère)  التي كانت تعلي القيم الأدبية والقتالية الحربية بأن اوليس كان بطل بإمتياز الذي أمّن ويؤمن الوحدة الوطنية. فقد كان يتحلى ب:

 

  • الشجاعة، نزل الى الجحيم حيث تعيش الأموات والأشباح.
  • المجد، لقوله فطنتي معروفة من جميع البشر ومجدي إرتفع للسماء.
  • عرف بجلده وقوته الجسدية.
  • عرفت له حنكة تعرف كيف تعطى النصيحة وذكاء مييزاً له بوقائع الحروب.

في السياق نفسه عرفت أوروبا انشودة رولان (la chanson de Roland) التي تغنّت بشجاعة من قاتل في سبيل شارلوماني (Charlemagne).

في الهند الاوبانيشاد التي رَوَت أخبار العمالقة من آلهة وأنصاف الهة، بقيت في العلى أو تجسّدت لهداية البشر.

فرعون عند المصريين الإله المتجسّد والراعي للبشرية. من إله فوق السحب غير منظور، أصبح يعايش البشر وينظر عن قرب مشاكلهم.

تمّوز عند السومريين.

 

 

في الحديث.

مع تطوّر الفكر البشري أصبح من الصعب قبول البشر بشخصيات ذات ميزات إلهية أو يعرّف عنها بأنها أنصاف آلهة. تحوّل البطل من خرافي كلّي الى المبني على مرتكز محسوس ويلحق به صفات يتمنّى كل أمرؤ أن يتحلى بها.

أصبح البطل بالحديث من عامة الشعب، وبطولته لا تقتصر على بعض الصّفات الجسدية من قوة وشجاعة وانتقلت الى ميزات فكرية وإنسانية. هذا التحوّل تجلّى بوضوح أكثر مع الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان التي أصبحت هي مرتكز للوحدة الإجتماعية والوطنية. كما نجد هذه النزعة عند الأديان التي تقدّس منتسبيها وترفعهم الى

الدرجات العليا، أصبحت الميزات والمميّزات في أيامنا إنسانية في متناول كلّ تابع، عندما كانت بعض الديانات ترزل الزواج أصبح في الحديث عنصر قداسة الخ…

وُجِدَ الإنسان عندها في فترة سقطت فيها الكثير من الأساطير والمعتقدات القديمة إجتماعية كانت أو دينية الخ… وأصبح المعيار هو الإنسان ذاته بمقدوراته الإنسانية والإجتماعية.

عند العرب قصّة عنترة ابن شداد، هو عنترة بن شداد بن قراد العبسي525م–  608م) وهو أحد أشهر شعراء العرب في فترة ما قبل الإسلام، وأشتهر بشِعر الفروسية، وله معلّقة مشهورة والمعروف بشِعره الجميل وغزله العفيف بعبلة.

في أمثال قصة عنترة ترتكز القصة على واقع حسّي شخصي، أو حادثة ويضفى عليها صفات إضافية حتى تصبح أسطورة يُتَمثَّلُ بها.

ادخل الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (Jean Jacques Rousseau) مفهوماً جديداً وهو كتابة إعترافات لشخص من العامة. لم يعد المحكى عنه ملكاً أو أميراً أو من القديسين أو إله متجسّد، بل أصبح شخص من العامة له أشجانه ومشاكله، من الأمور التي يجتمع عليها البشر جميعاً. الأناس العاديين قرروا كتابة حياتهم وأصبحوا هم أنفسهم الأبطال. تبع هذا كثير من الكتّاب أمثال زولا (Zola) وبلزاك (Balzac) وغيره.

في أثناء الحرب العالميّة الأولى (1914/1918) ظهر أبطال جدد تمثّلوا بالمحاربين. كان هؤلاء يقضون أياماً طويلة في الخدمة ولم يتثنى لهم حلق شعورهم وذقونهم فسُميوا (كثيري الشعر- les poilus). أصبح البطل مجهول وغير مسمّى ومنها الجندي المجهول، الذي أصبح البطل الوطني. بخلاف البطل الأولي الذي كان يتمتّع بصفات إلهية ثم نصف إلهية الخ…

 

تحوّل البطل الى شخص معروف يقتدى به.

بعد الحرب العالمية الثانية واكتشاف الفظائع التي وقعت أثناء الحرب وبعدها في بلدان كفيتنام وكامبوديا، أصبح الأبطال في هذه الحقبة الضحايا وليس الأبطال كما في الماضي.

في الأدبيات أصبح رجال السياسة أمثال تشرتشل (Churchill) أو روزفلت (Roosevelt) أو ديغول (De Gaulle) وغيرهم أبطال المقاومة والسلام.

ظهر في الكتابات قصص تحاول رسم الواقع بشخصيات وجودها لا يتعارض مع الواقع الحثي، فاصبحت هذه الشخصيات مثال، ومنها طرزان، شارلوك هولمز (Sherlock Holmes) للكاتب البريطاني ارتور كونن دويل (Arthur Conan Doyle)، ورجل المباحث هركول بوارو (Hercule Poirot) للكاتبة اغاتا كريستي (Agatha Christie)، وجيمس بوند (James Bond : agent 007) للكاتب ايان فلمنغ (Ian Fleming).

في السياسة والحرب برز الأميرال نلسون (Horatio Nelson)  الذي انتصر على نابوليون في معركة ترافلغار(Trafalgar)، وونستون تشرشل (Winston Churchill) الحائز على جائزة نوبل للأدب سنة 1953 والسياسي المحنّك المعروف.

الأميرة ديانا (La princesse Diana) و ما مثّلته من مثال للجمال والأناقة والعمل الخيري. كما لم يسلم في القديم تبنّي المجتمعات لمثل عليا كذلك في الحديث ما وجدناه في فرنسا وبريطانيا وجدناه في أميركا والعالم العربي والهند.

في أميركا نذكر أبراهام لنكول (Abraham Lincoln) الذي منع الرقّ، مارتن لوثر كنغ (Martin Luther King) الذي جاهد للحقوق المدنية، هنري فورد (Henry Ford) مؤسس العمل الإنتاجي المعملي، بيل غايتس (Bill Gates) مثال للنجاح والعمل الخيري، ستيف جوبس (Steve Jobs) مؤسس آبل ومثال للذي يبني نفسه بنفسه.

في البلدان العربية شخصيّات مثال جمال عبد الناصر، الأمير عبد القادر الجزائري، عمر المختار، جمال الدين الأفغاني الخ…

من الشخصيات العالمية غاندي، روديار كبلينغ الخ…

أما في عالم الفن والتواصل تحوّل البطل الى من كان يمتلك خاصة تسمح له بالتمييز بها على التلفاز وغيره من صوت أو قدرة على التمثيل أو امتلاك صفات جمالية أو قوام فريدة. فوجد المرء أمام إعادة تصنيف البطل أو الرمز الذي يقتدى به. لم يعد البطل الذي يقتدى به في الحياة بل الذي يعطي الحياة. سقطت الميزات القديمة كلياً.

بتحوّل المحور الأساسي للمجتمع الى مدار إقتصادي، ظهر نوع جديد من المثل المشتهات وأصبح الناجح مادياً من لاعب كرة قدم أو مغني أو مهرّج هو البطل الذي يعطي البهجة والمرغوب في التشبّه به. سقطت بهذا القدسية عن البطل كما في القديم.

لعبت السياسة دورها في صورة البطل، التي استعملت اللّغة القديمة للبطل الذي يقف في وجه الباطل وأصبح الأمريكي المعادي للإتحاد السوفياتي جهراً الممثل بالشرّ هو البطل كما أصبح ابن أوروبا الشرقية المعادي للرأسمالية بطلاً في مجتمعه.

أصبح البطل شخصاً من المجتمع بإمتلاكه صفات وميزات عليا وبمقدور كل فرد أن يصل اليها.

الأمثلة على هذه الأشخاص نراها في جميع المجتمعات الحديثة.

من مُثُل موجودة خارج المجتمع إلهية كانت الى مثل تتجلّى داخل المجتمع والى النواة الأساسية للمجتمع العائلة. أصبحت و بعد إقتناء المقدّرات الممكنة لعيش حياة عائلية سعيدة. تتمثّل بالصور المأخوذة خلسةً لبطل مع أفراد عائلته أو وهو يستجمّ مع حبيبه.

نرى هنا إعادة تموضع للمحور المثالي من خارجي وإلهي الى داخلي وإنساني، مبني

على سعادة الفرد نفسه وليس إسعاد قوى خارجية من مثالية أو إجتماعية.

خلاصة.

من رافق تطوّر المُثل من إلهية ودينية الى قبلية وملكية. ومن مملكات وامبراطوريات  وقوميّات الى وطنية. من خارج العالم ممّا فوق السحب آلهة تسبح الى منظورة فراعنة وأباطرة. ومن منظورة حسيّة الى داخلية فكرية وقلبية. تحوّلت الأولويات التي محور الإنسان حياته حولها من محصورة ومحدودة زمنياً وجغرافياً الى إنسانية، تتمحور حول شخصه وتطوّره وراحته وسعادته. بتحويل المُثل الى إنسانية إرتقت الى مصاف الكونية لأنها لم تعد تفرّق بين إنسان وشخص وآخر، الإنسان هو هو على مرّ التاريخ وإختلاف الأماكن. أصبح المعيار واحد وكونيّ محوره متواجد في جميع الأزمنة والأماكن هو الإنسان.

هذا المعيار الكوني للإنسان تبنّاه أهل العرفان منذ القديم، وهو المحور الأساسي الذي بنى عليه البناؤون الأحرار مجتمعهم وتفكيرهم. مع تطوّر الإنسان والبشرية تطوّر فكر البنائين لأنّه لم يكن محصور ببنية  زمنية أو جغرافية أيّاً كانت. فخرج من القوقعة الآنية وامتطى النسبية الكليّة الشاملة، فارتفع الى مصاف الكونية.

كيف تعامل الدين مع هذا التطور.

خُزِلَ الدّين وعلى مرّ العصور بالتطوّر الذي سارت عليه البشرية. فلم يعد بقادر أن يواكب البشرية التي تطوّرت، رابطاً إياها بمُثله القديمة الجامدة. منه من طوّر فكره وتأقلم، فنفى بذلك قدسيته التي لم تعد كونية وصالحة لجميع الأزمنة والأحوال إذ أنّها متحوّلة. ومنه من رأى بالقديم الحالة المثالية التي فقدت، ووجب الرجوع إليها فاعتنق فكرة عودة المؤسس أو رسول منه لإعادة النظام الأولي. وهكذا إنتظر الفرس القدامى ميثرا، والكلدانيين تموز، وفي بلاد الاسكنديناف سوتر، والمصريين هورس، وآخرين مهدي أو إبن من أبناء الله المنتظرين. بعدم إمكانيته على مواجهة التطوّر وإثبات فكره بأنّه الأعلى، رمى الدّين الكرة في ملعب الآخرين معتبراً حالتهم الشّاذة بإبتعادهم عن الأسس الأولى،وتوعدهم بعودة المؤسس أومن ينوب عنه لإحلال العدل ودثر المتمردين.

تحول المُثل العليا الى دين إلهي والابطال الى آلهة.

يعتمد الفكر الديني على التفرقة ما بين المقدّس والعام. إعتبر بأن المقدّس يحوي العلم والمعرفة والصّفات العليا كلّها وأن العامة عليها أن تقتدي بالمقدّس للوصول الى مراتبه. ونجد هذا في الديانات الموحّدة أو المتعدّدة الآلهة.

كما في اليونان القديمة فإن الإله ولكي يوصل رسالته يتّخذ من الحلولية أداة لتعريف العامة الى المُثل العليا. على مثال فرعون أو الأمبراطور الذي كان بين البشر يرعى أمورهم، تجسّد الإله في جسد مختار لإيصال رسالته. ارجونا في البغافات غيتا مثال على ذلك والأنبياء عامة إعتبرهم أصحاب دياناتهم قنوات ولو اختلفت في الميزات للحلول الإلهي.

على مثال الأساطير أخبرت كتب الديانات عن روايات للخلق، تقسيم المجتمع، غاية وجود الإنسان، مآله الخ…

عرضت الديانات على إختلاف مشاربها المواضيع الوجدانية الأساسية التي قاربتها روايات القدماء. المنطق ينفي أن يكون هناك إيحاء واحد، إذ أن جميعها تدّعي إمتلاك الحقيقة دون غيرها. من هنا الموقف من الديانات إمّا يكون علمي ومنطقي وتساق جميعها بميزان ومعيار واحد للمقارنة دون تفضيل إحداها على أخرى و إمّا التعصّب لدين دون آخر، غير نابع إلّا من الهوية التي يأخذها المرء بنشأته وترعرعه في بقعة جغرافية وزمان ما. من يقول العكس عليه ليثبّت بأنّه هو من اختار مكان ولادته واختار هويته الثقافية والإجتماعية و الدينية.

في القدسية.

ارتقت الأساطير في مفهوم أهلها كما الديانات وكلّ ما دار من حولها الى مقام القدسية. فلا يُقبل مناقشتها ولا إخضاعها للعقل. هي كما هي مقدّسة وفوق المساءلة. ولو أخذت حادثتين في ديانتين مختلفتين أو أسطورتين. لنفى أحدهم واحدة وقبل الأخرى بالرغم من أنهم متشابهتين بالديناميكية. مثال على ذلك زهد بعض الهندوس وجلوسهم على أماكن عالية من صخور وغيرها قربة لله وللإبتعاد عن البشر. لواجهه من يؤمن بالديانات الحديثة بأنّ الله في كلّ مكان. لو نظرت الى جميع الديانات لوجدت فيها من يصعد الى جبل عالي قربة لله. حتى أنه وجد في بعض الديانات من يقضي وقته على عامود مقتنعاً بقربه لله وبُعده عن الأرض محطّ كلّ الرذائل وهذا يخالف معتقده بخلق الله لكلّ شيء وكأن الأرض ليست من خلق الله.

تفكّر فيما سبق.

نفهم هنا موقف أهل العرفان، الذين ينقضون الموروثات لإعادة بناء  نفسهم بنفسهم. آخذين ما يتقبّله داخلهم ولا ينبذه عقلهم ووعيهم المجرّد حتى ولو كان من ضمن هذه الموروثات. كلّ من لم يقم بهذا العمل على نفسه ما هو إلا نموذج لا يختلف عمن قبل بالأساطير في القديم إلّا بالشكل. لأنّه ولو ولد في القديم لكان إعتنق دين وفلسفة ومعتقد زمانه.

من هنا نفهم تقسيم أهل العرفان للناس بعامة وخاصة. فالعامة بالنسبة لهم هم هم أنفسهم أيّاً كان دينهم ومكانهم وزمانهم. فهم من الأنعام ويجب التعامل معهم بنفس الرفق والتفهّم. لا يعوّل على عددهم.

يقول في عددهم مارك توين (Mark Twain) و هو كاتب أميركي من المفكرين الأحرار كتب مغامرات توم ساويرس(Tom Sawyer) . إيماني بمفهوم الخلق وغايته يتطابق مع الإيمان السائد المعتقد بخلود النفس ويوم الحساب. وإثباتي على ذلك الكثرة الكثيرة من الناس والذين بالفطرة يؤمنون بهذا. ثم يضيف: ألم تعتقد الكثرة الكثيرة وعلى مدى قرون بأنّ الأرض مسطّحة!

التحجر.

هناك محور على الإنسان أن يبقى حوله كما تربط الأنعام الى وتد، وهناك مسار يعبّر عنه بالتاريخي إذ ومع مرور الزمن يتطوّر ويتقدّم وبحسب تطوّر الأزمنة.

كما نعلم الكون في مسيرة مستمرة لا يتوقّف لا في الزمان ولا في المكان في المعيار الكوني. من ثبّت نفسه في فترة وجغرافية تجاوزه الزمن بعد أول برهة لأن الكلّ متحرك من هنا،الانسان المتجانس مع الحركة الكونية يتأقلم ويتغيّر، او صنّف بمن تجاوزه

الزمن.

هل يقبل الإنسان الحرّ بالتعلّق “بوتد” دقّ في فترة تعود الى مئات أو آلاف السنين والكون سارٍ بمسيرة مستمرّة. وهذا بحجّة أن الوتد هذا يمثل الحقيقة المثلى والعليا. نعود هنا الى مفهوم المثال الأعلى في الأساطير. أم علينا أن نقبل بتطوّر الإنسان مع التطوّر الكوني وعندها المعايير والحقيقة تتجاوز نفسها من فترة الى أخرى.

الدراسات العلمية والتاريخية أثبتت بشكل قاطع ودون مغايرة بأنّ الحقائق التي سادت واعتقد فيها في القديم تغيّرت وتبدّلت كلياً. من مفهوم خلق أو تطوّر الأرض، الى نشأة وموقع ومسارات النجوم، الى مفهوم العوامل الطبيعية الخ… كلّ هذه في أيامنا خرجت كلياً من المفاهيم التي كانت سائدة في القديم.

كما تحوّلت الأساطير والمثل العليا كذلك تحوّلت وتطوّرت الديانات على مختلف مشاربها. الذي يطرح السؤال نفسه على الأسس التي كانت تعتبر أولوية في زمانها،

والتي إرتقت الى المثالية في زمانها وعالمها أما اليوم لم تعد إلاّ مادة للتفكر ليس إلّا.

تتحوّل مع الزمن أوجه ساطعة ومتوهّجة الى مسطحات داكنة وبالية.