النظرة الكونية

مقاربة الحدث تختلف بحسب المقاربة التي نولّيها له.

فنفرّق ما بين النظرة المحدودة والشاملة. كما نفرّق ما بين هذه والمقاربة الكونية أو العرفانية.

مثال على ذلك ما يصنّف بسلبي للحوادث التي تجري من حولنا.

لو افترضنا وقوع حادث سيارة وتحطّمها بالكامل وإصابة سائقها بكسر. فمن الطبيعي أن هذا السائق وأهله هم في مصيبة وورطة كبيرة وفي واقع يوصف بالسلبي. إلّا أن النظرة الشاملة تكذب هذا. فهذا الحادث سيؤدي الى حركة إقتصادية ومكاسب لكثرة كثيرة لو نظر اليها من جهة شاملة لاعتبر هذا الحادث مُدِرّ للإيجابيات.

فلحظة وقوع الحادث تقدم سيارة الإسعاف التي يقودها سائق يعتاش من نقله مرضى أمثال صاحبنا ولا ننسى سيارة الإسعاف والشركة التي باعتها وتشرف على صيانتها. بالإضافة الى المستشفى والممرضات والأطباء الذين يعتاشون من عملهم كما الصيادلة وشركات الأدوية والمعدات الطبية. ولا ننسى مشاغل تصليح السيارات التي تعتبر عملها ورزقها قائم على تصليح السيارات المتضرّرة.

فمن النظرة الشاملة هذا الحدث بالرغم من سلبيته الظاهرة أدى الى دورة إقتصادية رزق منها الكثيرين.

هل هناك أبعاد أخرى لهذا الحادث؟

ننظر الى الفرد وكأنّه محدّد في الزمان والمكان. إلّا أنّ النظرة الكونية تضع الفرد ضمن إطار و”برنامج” كوني. فوجوده غير محدّد بزمن ولادته وتطورّه غير موقوف على وقت مماته. إذ أنّ الزمن الذي تقيم به الأمور الكونية تمتدّ على مراحل وفترات طويلة تتجاوز بأضعاف مضاعفة الزمن الذي يقضيه الإنسان في فترة وجوده بيننا. فإن كانت الحياة لا تنتهي عند الموت فلا يجب عزل الحادث موضوعنا ولو أدّى الى وفاة المتضرّر عن المسار الكوني الذي علينا أن نعتبره قائم به. فيكون الموت ضمن غاية او مفعول كوني مختار من صاحبه والاعتراض عليه يكون ضدّ المصلحة العامة لهذا الفرد.

فمن الجهّة الكونية علينا أن نتقبل هذا الحدث كما هو ولغاية نجهلها أحياناً.

فعند الإنتقال من النظرة الأحادية الى النظرة الشاملة والكونية يعطى الحدث بُعد أجلى ومفهوم أعمق.

 

الأبعاد.

لكلّ حادث أو طارئ أبعاد فهناك البعد الأول والثاني والثالث. تحدّث الأقدمون عن أبعاد خمسة مستوحين خلاصاتهم من تأمّلهم بالشموع وأجزائها الخمسة.

عمل الأقدمون على تقسيم العالم الى أجزاء أربعة يتكوّن منها العالم وهي التراب، الماء، الهواء والنار ومنهم من أضاف البعد الخامس المسمّى أثير.

فالشمعة بأدائها وظيفتها بإنارة من حولها تتحوّل من جامد الى سائل ومن خلال الفتيل الذي يمتصّ السائل يتحوّل الى نار. نكون هكذا قد جمعنا العناصر الأربعة ومن ثم يترائى فوق النار أثير يعتبر العنصر الخامس.

قال أصحاب العلم الخيميائي أن هذا العالم مجزّأ الى خمسة عناصر، ومنها وبها تتجلّى و تتحرّك الخلائق جميعاً.

فكما يكون هناك أجزاء خمسة هناك أبعاد ونظرات خماسية. يعدّد منها في مجال الأديان النظرة القشرية، النظرة الإنسانية، النظرة الصوفية، النظرة الكونية والنظرة العرفانية.

 

الجرأة على نقض و البحث في اللاّممسوس. ما يسمّى بعلم النفس “تابو” .

دراسة الديانات تاريخياً صعب لعدم وجود أدلّة علمية وأكاديمية، الديانة الوحيدة التي خضعت للمقياس العلمي هي الديانة الإسلامية. التاريخ من القرن السابع موثّق حتى وما قبل ذلك، فهناك دراسات علمية متأكّد منها حتى ما قبل القرن السابع. أماكن ظهور الوحي المواقع الأصدقاء والأعداء معروفين تاريخياً. وبالرغم من ذلك اضطر علماء المسلمين لتشذيب الكثير ممّا عُرف بالإسرائيليات. فمن الطبيعي أنه وفي حالة الكتب الأخرى نحن بحاجة الى دراسة وتمحيص لخشية وجود ودخول خرافات ودسائس. يمتنع العقل عادة عن الولوج في هكذا دراسات خشية من الغيب مع أن الله في جميع الأديان عظم الوجدان ومنه العقل. ومن الطبيعي أن العقل لا يتعارض مع الوحي الصحيح والحقيقي ويشذب كما فعل علماء المسلمين بإخراج الإسرائيليات. سنخرج بعض الخرافات التي لم يلحظها أسلافنا، هذا يوطّد الإيمان ويقرّبه من الوحي الخالص الذي لا يتعارض بالتأكيد إن كان من عند الله مع العقل والمنطق. من هنا دراسة أي ظاهرة أو سالفة هو واجب عقلي ومعيد للقيمة الدينية الحقيقية المتطابقة مع جوهر الله الخالص من الشوائب والخرافات.

من هنا سننظر بالإضافة الى موضوع النسبية والنظرة الشاملة “للبعد الزماني مضاف الى النظرة الشاملة”.

 

لنتفكّر في مثال موسى وفرعون بعد مرور الزمن.

“بالنسبة لموسى، ماذا بقي منه غير الصراع الدموي بين العرب واليهود على أرض فلسطين. هو الذي حرّض بني اسرائيل للهجوم على القرى الآمنة في فلسطين. فهل يرضى الله بقتل وتشريد الناس الآمنين وهم أصحاب الأرض، ويهبها بلا وجه حق لمجموعة من بدو الصحراء الذين عبدوا العجل قبل أيام قليلة. وفي ذلك الوقت كانت سيناء هي الأرض المقدسة التي نزل فيها الوحي على موسى في جبل الطور؟ لماذا لم يبقوا في سيناء! ومنذ ذلك التاريخ والى الآن فالبشرية تنزف وتتقاتل وقد ذهب الملايين ضحية هذه الفرية، هذا ما بقي من بركات موسى، مضافاً الى دين عنصري يؤكد لأتباعه أنّهم شعب الله المختار وأن الله فضّلهم على العالمين. فما كان نفع موسى غير صب البلايا على شعب مصر من الجراد والقمل والدم والشعب المصري المسكين هو الذي يعاني منها لا فرعون الجالس في قصره ولا يرى ضفدعة أو جرادة. وحتى بني اسرائيل قد ذاقوا العذاب والتهجير في الصحراء بعد هربهم من مصر بسبب موسى (قالوا لقد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما أتيتنا) حتى أنهم طلبوا منه العودة الى مصر وإنهاء هذه الأزمة. وقبل كل هذه الأحداث نرى أن موسى قام بقتل إنسان من الأقباط بدون حق ولمجرّد نزاع بين القبطي والإسرائيلي وقد اعترف بذلك موسى نفسه واستغفر الله وقال (هذا من عمل الشيطان).

يكفي أن نقول أن إقتصاد مصر قائم على السياحة وأهمّ ما يجذب السواح الى مصر هو الأهرامات وأبو الهول من بقايا الحضارة الفرعونية حيث تدرّ هذه الآثار على مصر الملايين من العملات الصعبة وينتفع منها جميع الشعب المصري بشكل مباشر أو غير مباشر. مضافاً الى النفع المعنوي لشعب مصر حيث يفخرون أمام العالم بحضارتهم هذه. إنّ البشرية استفادت كثيرا من هذه الآثار حيث اطّلع العالم على تاريخ وحضارة من أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية ببركة قبر فرعون. وقد خسر الشعب المصري ومعه الشعوب العربية المليارات في التسلّح والحروب ضد اسرائيل غير عشرات الالوف من القتلى والجرحى.. فأيهما كان أنفع للبشرية؟ الرواية الدينية تحدثّنا عن سلوك فرعون مع مخالفيه – موسى وهارون- بمنتهى الديمقراطية والحوار الحرّ وأمام الملأ وقد كان بإمكانه قتلهم منذ اليوم الأول وبخاصة أن موسى ارتكب جريمة قتل فيما سبق. أمّا ما ذكر عن طغيان فرعون وقوله أنا ربكم الأعلى فثقافة ذلك الزمان والى عهد قريب كانت ترى في السلطان انه ظلّ الله على الارض. أمّا قتله وتعذيبه للناس فهو يخصّ المعارضين لحكومته كما فعل ويفعل الكثير من الحكام في القديم والحديث. وكان قارون يملك ثروة باهظة جدا حتى صار مضرب المثل في الثراء ولم يقم فرعون بمصادرة أمواله كما يفعل سائر السلاطين الظالمين. المعاملة نفسها كانت لليهود في أرضه ويكفي في بيان حالتهم الإقتصادية الجيّدة أنّ نساءهم كنّ يملكن الكثير من الذهب والحلي بحيث أنهم صنعوا منها عجلاً كبيراً بعدما خرجوا الى سيناء.. أمّا فيما يتعلق بخاتمة فرعون فإن الشيخ الأكبر ابن عربي يعتقد بأن فرعون في الجنّة لأنه آمن في آخر ساعة من حياته.”

 

لمقاربة رواية كونيا على المرء أن يخرجها من نطاقها الزمني والمكاني والعقائدي ومن قيود الموروثات، وبحثها بشكل عقلاني وعلمي مستنير.

في الصورة الواردة في الأسفل نرى باحث خيميائي، يحاول الوصول الى النظرة الحقيقية والواقعية للعالم من خلال فتح كوة في العالم المنظور ووضعه من خلفه.

هذه اللّوحة تفيد بأنّ وضع ما هو موروث ومنظور في طبقاته الأولى ليس إلّا وجه من أوجه الحقيقة. العالم ليس محصوراً ولا متمثّلا فقط بالطبقات الأولى!

 

قال جوردانو برونو وكان هذا سبب في تعذيبه وقتله، العالم الذي نحن به لا متناهي. كان يعتبر أهل الدين أنّ الله فقط غير متناهي. فأجابهم جوردانو برونو” ربّي هو الأقوى والحقيقي لأنّه قادر أن يخلق عالم غير متناهي”.